(من حكايات السلف) لو خيرت باختيار الزوج فأي الأزواج ستختارين؟
كان ملك من ملوك حمير منع الولد دهرا، ثم ولدت له بنت، فبنى لها قصرا منيفا بعيدا عن الناس، ووكل نساء من بنات جنسها يخدمنها ويؤدبنها حتى بلغت مبلغ النساء، فنشأت أحسن منشأ، فلما مات أبوها كانت تقرب لها النسوة اللاتي ربينها، وتحسن إليهن وتشاورهن ولاتقطع أمرا دونهن. فقلن لها يوما: يابنت الكرام! لو تزوجت لتم لك الملك. فقالت: وما الزوج؟ فقالت إحداهن: الزوج عز في الشدائد، وفي الخطوب مساعد! إن غضبت عطف، وإن مرضت لطف! قالت: نعم الشيء هذا!! فقالت الثانية: الزوج: شعاري حين أبرد، ومتكئي حين أرقد، وأنسي حين أفرد! فقالت: إن هذا لمن كمال طيب العيش! فقالت الثالثة: الزوج: لما أهمني وشغلني كاف، ولما أصابني شاف، يكفيني فقد الآلاف. ريقه كالشهد، وعناقه كالخلد، لايمل قرانه ولايخاف حرانه! (غضبه) فقالت: أمهلنني أنظر فيما قلت ! فاحتجبت عنهن سبعا، ثم دعتهن فقالت: قد نظرت فيما قلتن فوجدتني أعطيه الحق في تملكي، وأبثه باطلي وحقي، فإن كان محمود الخلائق مأمون البوائق فقد أدركت بغيتي، وإن كان غير ذلك فقد طالت شقوتي. على أنه لاينبغي إلا أن يكون كفئا كريما، يسود عشيرته ويصلح فصيلته. لا أتعنق به عارا في حياتي، ولا أرفع به شنارا (العيب والهلاك) لقومي بعد وفاتي. فعليكنه فابغينه، وتفرقن في الأحياء، فأيتكن أتتني بما أحب فلها أجزل العطاء، وعلي لها الوفاء! فخرجن فيما وجهن له، وكن بنات يحسن الحديث وذوات عقل ورأي. فجاءتها إحداهن وهي عمرطة بنت زرعة بن ذي خنفر فقالت: قد أصبت البغية. فقالت: صفيه ولاتسميه. فقالت: غيث في المحل، ثمال في الأزل (يقوم بأمر القوم) مفيد مبيد يصلح الثائر وينعش العائر ويغمر الندي ويقتاد الأبي، عرضه وافر وحسبه باهر، غض الشباب طاهر الأثواب! قالت: ومن هو؟ قالت: سبرة من عوال بن شداد بن الهمال. ثم خلت بالثانية، فقالت أصبت من بغيتك شيئا؟ قالت: نعم قالت صفيه ولا تسميه. قالت: خالص النسب، كريم الحسب، كامل الأدب، غزير العطايا مألوف السجايا، مقتبل الشباب خصيب الجناب (قريب لقومه) أمره ماض، وعشيره راض. قالت ومن هو؟ قالت: يعلى بن هزال بن ذي جدن. ثم خلت بالثالثة فقالت: ماعندك ؟ قالت: قد وجدته كثير الفوائد عظيم المراقد، يعطي قبل السؤال وينيل، في العشيرة معظم، وفي الندي مكرم، جم الفواضل كثير النوافل، بذال أموال محقق آمال كريم أعمام وأخوال. قالت: ومن هو؟ قالت: رواحة بن خمير بن مضحي بن ذي هلاهلة فاختارت يعلى بن هزال فتزوجته، فاحتجبت عن نسائها شهرا ثم برزت لهن وأجزلت لهن العطاء.