التعليم في اليابان: ساعات تنجح.. ساعات ترسب!

شهد نظام التعليم الياباني، إصلاحات واسعة بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية في عام 1945م أتاحت إعادة توجيه المناهج والمقررات والكتب الدراسية، وبخاصة تلك المقررات التي تؤدي إلى إثارة النزعات الحزبية والطائفية، مثل مادة التربية الأخلاقية لتكون بشكل أقل من النعرة القومية والنزعة العسكرية التي كانت عليها قبل الحرب العالمية الثانية. كما أتاحت الإصلاحات إقامة نظام تعليمي يعرف بـ 6 - 3 - 3 - 4 ، أي ست سنوات للمرحلة الابتدائية، وثلاث للمتوسطة وثلاث أخرى للمرحلة الثانوية ثم أربع سنوات للجامعة. وتم ضم المرحلة المتوسطة إلى المرحلة الابتدائية لتصبح السنوات التسع الأولى من التعليم تعليما أساسيا إلزاميا تصل نسبة الالتحاق به 100? حيث تقع مسؤولية إلحاق التلاميذ بالمدارس على عاتق أولياء الأمور، كما تشير إلى ذلك المادة 26 من القانون الياباني، وكذلك تقع على المدن والقرى والبلدات مسؤولية تأسيس المدارس وتجهيزها لاستيعاب الأطفال في هذه السن. وبالرغم من أن المدارس الثانوية لا تدخل في مرحلة التعليم الإلزامي، إلا أن نسبة التقدم إليها من خريجي المدارس المتوسطة تجاوزت التسعين في المائة (2.94? حسب إحصائية عام 1986م) وخصوصا في المدن التي يلتحق معظم أولادها وبناتها تقريبا بالمدارس الثانوية. وتفخر اليابان بأن نسبة الأمية فيها صفر في المائة ( وهناك رأي يقول إنها 99.9? )، بل لقد أعلنت اليابان سابقا أنه بعد عام 2000م يعتبر الشخص الذي لا يجيد لغة أجنبية ولا يستطيع التعامل مع الكمبيوتر في عداد الأميين.! ويتعلم الأطفال في المرحلة الابتدائية المواد الأساسية الضرورية للحياة اليومية في المجتمع مثل اللغة اليابانية القومية والحساب والعلوم والمواد الاجتماعية والتربية البدنية والتدبير المنزلي. وغالبا ما يقوم مدرس واحد في هذه المرحلة بتدريس المواد الدراسية كلها ما عدا التخصصية منها إلى حد ما مثل الفنون اليدوية والموسيقى والتدبير المنزلي. وفي المرحلة المتوسطة يتلقون تعليمهم ليكونوا مؤسسين وفاعلين في المجتمع والدولة، فيتهيؤون ليختاروا طريقهم في المستقبل حيث يتعلمون المهارات والمعارف الأساسية ليتمكنوا من إدراك واستيعاب الأعمال والوظائف المختلفة الضرورية في المجتمع، ويكون تدريس المواد الدراسية في هذه المرحلة تبعا للتخصص أي كل مدرس حسب مادة تخصصه. أما بالنسبة للمرحلة الثانوية، فيتقدم إليها خريجو التعليم المتوسط الإلزامي وذلك بعد اجتياز اختبارات القبول لإحدى المدارس الثانوية التي يرغب التلميذ في الالتحاق بها. وفي هذه المرحلة يتعلم الطلاب المهارات والمواد الدراسية والمعلومات المختلفة التي تمكنهم من خدمة المجتمع وتأدية الدور والرسالة التي يجب تقديمها للمجتمع والدولة، مثل المقررات الدراسية في الزراعة والتجارة والإنتاج الحيواني وصيد الأسماك، والصناعة التي تنقسم بدورها إلى مواد دراسية أخرى مثل الآلات والهندسة الكهربائية والكيمياء والهندسة المدنية والعمارة وعلم المعادن إلى آخره. وهذه المدارس غالبا إما مدارس حكومية تنشئها وتمولها الحكومة المركزية وإما مدارس محلية تنشئها المقاطعة أو المدينة أو القرية، وإما مدارس أهلية. أما بالنسبة للجامعات فيتقدم إليها خريجو الثانوية بعد اجتياز اختبارات القبول للجامعة التي يريد الطالب الالتحاق بها وليس على أساس نتيجة الثانوية العامة كما هي الحال عند التقدم إلى المرحلة الثانوية بعد انتهاء المرحلة المتوسطة. وتقوم الجامعات بتطوير قدرات الطلاب التطبيقية والمعارف والتربية الأخلاقية أيضا، حيث يتلقى الطلاب المعارف المختلفة ويقومون أيضا بالأبحاث المتنوعة لأن الجامعة هيئة أبحاث وليست هيئة تعليمية فقط. ومدة الدراسة بالجامعة أربع سنوات ولكن كلا من كليتي الطب وطب الأسنان لمدة ست سنوات. أما الدراسات العليا، فهي سنتان لمرحلة الماجستير، وثلاث لمرحلة الدكتوراه (لا توجد مرحلة ماجستير لكلية الطب والأسنان ولكن مرحلة دكتوراه فقط لمدة 4 سنوات)، وهذه الجامعات معظمها وطنية تنشئها وتديرها الحكومة أو تنشئها المقاطعة، أو جامعات أهلية وهي تمثل العدد الأكبر من الجامعات في اليابان. وتحظى الجامعات الوطنية على عكس الكثير من الدول بمكانة عالية مرموقة ويطمح إليها معظم الطلاب، وهي تقدم تعليما جيدا بل ربما أفضل وبمصروفات دراسية أقل، وتكون كذلك فرص التحاق خريجيها بالمناصب العليا أكبر من نظيرتها الأهلية. ويوجد بخلاف هذه المدارس والجامعات السالفة الذكر مدارس أخرى أبرزها المدارس الثانوية المتخصصة لمدة خمس سنوات بعد المدرسة المتوسطة، ومدارس لذوي الاحتياجات الخاصة، ومدارس مهنية لتعليم الحرف والصناعات، ومدارس إعداد المعلمين وكليات متوسطة لمدة سنتين. ومن أهم ملامح وخصائص نظام التعليم الياباني: - المركزية واللامركزية في التعليم. - روح الجماعة والعمل الجماعي والنظام والمسؤولية. - الجد والاجتهاد أهم من الموهبة والذكاء. - الكم المعرفي وثقل العبء الدراسي. - الحماس الشديد من الطلاب وأولياء الأمور للتعليم وارتفاع المكانة المرموقة للمعلم. المركزية واللامركزية في التعليم: تتميز اليابان بشكل عام بمركزية التعليم، أو نستطيع القول أن نظام تعليمها يغلب عليه طابع المركزية. ومن إيجابيات هذا المبدأ في التعليم توفير المساواة في التعليم ونوعيته لمختلف فئات الشعب على مستوى الدولة بغض النظر عن المقاطعة أو المحافظة التي ولد فيها التلميذ أو الطالب، وبذلك يتم تزويد كل طفل بأساس معرفي واحد سواء كان في شمال اليابان أو جنوبها أو وسطها وبغض النظر عن الحالة الاقتصادية لهذه المنطقة، حيث تقرر وزارة التعليم اليابانية الإطار العام للمقررات الدراسية في المواد كافة بل ويفصل محتوى ومنهج كل مادة وعدد ساعات تدريسها، وبذلك يتم ضمان تدريس منهج واحد لكل فرد في الشعب في أي مدرسة وفي الوقت المحدد له. وعادة لا توجد اختلافات جوهرية تذكر بين المدارس في مختلف مناطق اليابان وكلها تتمتع بمستوى متجانس عال مع التفاوت في نوع التفوق فقط. والوزارة مسؤولة عن التخطيط لتطوير العملية التعليمية على مستوى اليابان، كما تقوم بإدارة العديد من المؤسسات التربوية بما فيها الجامعات والكليات المتوسطة والفنية. ومن المعروف أن المدارس في اليابان هي التي قامت بغرس المعرفة التي ساعدت اليابان على التحول من دولة إقطاعية إلى دولة حديثة بعد عصر ميجى Meiji (1868 - 1912م)، وكذلك تحول اليابان من دولة منهكة تتلقى المساعدات بعد الحرب العالمية الثانية إلى دولة اقتصادية كبرى تقدم المساعدات لمختلف الدول النامية في العالم. ولكن في الحقيقية لا يعني ذلك أن مركزية التعليم مطلقة في اليابان فهناك قسط أيضا من اللامركزية حيث يوجد في كل مقاطعة من مقاطعات اليابان مجلس تعليم خاص بها، ويعتبر السلطة المسؤولة عن التعليم وإدارته وتنفيذه في هذه المقاطعة. ويتكون مجلس التعليم من خمسة أعضاء يعينهم رئيس المقاطعة أو المحافظ بموافقة مجلس الحكم المحلي الذي يتم تعيين أعضائه بما فيهم رئيس المقاطعة من قبل سكان المقاطعة. ويقوم هذا المجلس باختيار الكتب المناسبة لمقاطعته من بين الكتب المقررة التي عادة ما يقوم القطاع الخاص بطباعتها، ولكن بالطبع بعد الحصول على موافقة من وزارة التعليم عليها. ويقوم هذا المجلس أيضا بإدارة شؤون العاملين بما في ذلك تعيين ونقل المعلمين من مدرسة لأخرى، كما يقوم بالإشراف على مؤسسات التعليم الإقليمية وتقديم النصح لها. كما أن المعلمين بالرغم من المركزية في الإشراف عليهم، إلا أنهم يتمتعون أيضا بقسط من الحرية بصفتهم من هيئة صناع القرار بالمدرسة وعلى رأسهم مدير المدرسة. وهم يجتمعون في ربيع كل عام لمناقشة وتقرير الأغراض التربوية للمدرسة، والتخطيط لجدول النشاط المدرسي لتحقيق تلك الأغراض التربوية وإعداد ذلك في كتيب كل عام. كما يقوم المعلمون كذلك بعقد حلقات بحث أو سيمنار كل ثلاثة أشهر لإلقاء البحوث والنقاش حول نظريات التعلم ومشاكل العملية التعليمية. وهم يقومون بإدارة مدارسهم دون ضغط ملزم من جانب الوزارة وذلك تحت ظل سلطة اتحادهم. ولذلك يشعر المعلمون في اليابان بأهميتهم في صنع القرار لأنهم ليسوا مجرد موظفين تابعين لوزارة التعليم. ويبدو أن مبدأ التمازج والتوازن بين المركزية واللامركزية يتلاءم مع نظام التعليم الياباني، ويعكس طبيعة التفكير اليابانية في المزج بين الثقافات والقديم والجديد. فالمركزية كانت موجودة قبل فرض قوات الحلفاء وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية مبدأ اللامركزية وغيرها من الإصلاحات على نظام التعليم في اليابان بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية. ولكن بعد أن استعادت اليابان سيادتها في عام 1952م، قامت بإلغاء بعض الإصلاحات التي فرضت عليها ولم تكن مناسبة لها ومنها مبدأ اللامركزية. روح الجماعة والعمل الجماعي والنظام والمسؤولية: يركز النظام الياباني للتعليم على تنمية الشعور بالجماعة والمسؤولية لدى التلاميذ والطلاب تجاه المجتمع بادئا بالبيئة المدرسية المحيطة بهم، مثل المحافظة على المباني الدراسية والأدوات التعليمية والأثاث المدرسي وغير ذلك. فمن المعروف عن المدارس اليابانية المحافظة على نظافة المدرسة، فأول شيء يدهش زائر المدرسة اليابانية، وجود أحذية رياضية خفيفة عند مدخل المبنى المدرسي مرتبة في خزانة أو أرفف خشبية يحمل كل حذاء اسم صاحبه، حيث يجب أن يخلع التلاميذ أحذيتهم العادية وارتداء هذه الأحذية الخفيفة النظيفة داخل مبنى المدرسة. وهذه العادة موجودة في معظم المدارس الابتدائية والمتوسطة وكثير من المدارس الثانوية أيضا. ومن الشائع في المدارس اليابانية أيضا، أن يقوم التلميذ عند نهاية اليوم الدراسي بكنس وتنظيف القاعات الدراسية بل وكنس ومسح الممرات بقطع قماش مبللة. بل والأكثر من ذلك غسل دورات المياه وجمع أوراق الشجر المتساقط في فناء المدرسة وكذلك القمامة إذا وجدت!. وكثيرا ما ينضم إليهم المدرسون في أوقات معينة لإجراء نظافة عامة سواء للمدرسة أو للأماكن العامة أيضا مثل الحدائق العامة والشواطئ في العطلة الصيفية، وذلك بدون الشعور بالضعة سواء من التلاميذ أو المعلمين. بالإضافة إلى ذلك يقوم الأطفال بتقديم الطعام للحيوانات أو الطيور التي تقوم المدرسة بتربيتها حيث إنه لا توجد شخصية الحارس أو الفراش في المدارس اليابانية ولا يوجد عمال نظافة، ولذا يأخذ التلاميذ والطلاب والمعلمون على عاتقهم تنظيف المدرسة وتجميل مظهرها الداخلي والخارجي، بل يمتد هذا النشاط إلى البيئة المحيطة بالمدرسة أيضا وذلك بتعاون الجميع وفي أوقات منتظمة ومحددة. ويتضح أوج هذه المسؤولية وروح الجماعة والتعاون والاعتماد على النفس عند تناول وجبة الطعام في المدرسة. فمن المعروف أنه لا يوجد مقاصف في المدارس اليابانية، ولكن يوجد مطبخ به أستاذة تغذية وعدد من الطاهيات حيث يتناول التلاميذ وجبات مطهية طازجة تطهى يوميا بالمدرسة. ويقوم التلاميذ بتقسيم أنفسهم إلى مجموعات إحداها تقوم بتهيئة القاعة الدراسية لتناول الطعام، وثانية مثلا تقوم بإحضار الطعام من المطبخ، وثالثة تقوم بتوزيع هذا الطعام على التلاميذ بعد ارتداء قبعات وأقنعة وملابس خاصة لذلك. وهذا بلا شك يؤكد الإحساس بالمسؤولية وروح الجماعة والاعتماد على النفس والانتماء إلى المدرسة والمجتمع، كما يوفر من ناحية أخرى ميزانية كان يفترض أن ترصد لهذه الخدمات. وتتجلى هذه الروح أيضا ليس فقط في مجموعات العمل الخاصة بالطعام والنظافة، بل في المجموعات الدراسية التي يقوم بتكوينها المدرس عندما يطلب من التلاميذ أو الطلاب الإجابة عن بعض الأسئلة أو حل مسألة مثلا في الرياضيات أو إنجاز بعض الأعمال أو الأنشطة للفصل، وبعد المشاورات الجماعية بينهم يعلن واحد من هذه المجموعة باسمها الانتهاء من هذه المهمة. على أن يعاد تشكيل هذه المجموعات من فترة لأخرى أو حسب ما تحتاج الضرورة من وقت لآخر حتى لا تتكون أحزاب أو تكتلات داخل الفصل. وهذا النظام لايعود التلاميذ الروح الجماعية فحسب، بل القيادة التي تتجلى أيضا في تعيين شخصية مراقب الفصل أو رائده والذي يقوم في وقت غياب المدرس بتهيئة الفصل وتنظيمه وحل مشكلاته بما فيها مشاكل التلاميذ بين بعضهم بعضا. ثم أخيرا في نهاية اليوم الدراسي يقوم التلاميذ بعقد جلسة جماعية حيث يجتمعون ويسألون أنفسهم فيما إذا كانوا قد أتموا عملهم اليوم على أكمل وجه أم لا ؟ أم أن هناك قصورا فيما قاموا به من أعمال ؟ أو هل كانت هناك مشاكل ما ؟ وبلا شك إن هذه الطريقة في التعليم تستهدف روح الجماعة وتحمل المسؤولية والالتزام والقيادة، كما تشكل أيضا قوة نفسية رادعة لكبح جماح السلوكيات الاجتماعية غير اللائقة تجاه المجتمع والغير. الجد والاجتهاد أهم من الموهبة والذكاء: يركز اليابانيون على مبدأ الجد والاجتهاد أهم من الموهبة والذكاء الفطري للطفل وهو على عكس ما هو معروف في الولايات المتحدة وكثير من الدول، ويتضح ذلك أيضا من كثرة استخدامهم كثيرا للكلمات التي تدل على الاجتهاد والمثابرة باللغة اليابانية مثل كلمة سأبذل قصارى جهدي (ganbarimasu)، سأعمل بكل جدية (isshookenmei yarimasu ). فالطلاب اليابانيون يؤمنون بنصح مدرسيهم وآبائهم بأن النجاح بل والتفوق يمكن أن يتحقق بالاجتهاد وبذل الجهد وليس بالذكاء فقط، فالجميع سواسية وخلقوا بقدر من الذكاء يكفيهم. فكل شخص يستطيع استيعاب ودراسة أي شيء وفي أي مجال وتحقيق قدر كبير من النجاح فيه من خلال بذل الجهد. ولذلك يستطيع الطالب أن يدرس أي مقرر دراسي حتى ولو كان لا يتناسب مع ميوله طالما توفرت العزيمة على بذل الجهد والمثابرة. فالنجاح والتفوق لا يتحددان باختلاف الموهبة والذكاء ولكن بالاختلاف في بذل الجهد. ويعتبر الطلاب اليابانيون من أكثر الطلاب في العالم إقبالا على الدراسة، لأنهم تعلموا أن السبيل للوصول إلى وظيفة مرموقة هو الاجتهاد وبذل الجهد والمثابرة للقبول بمدرسة ثانوية مرموقة ومميزة ومن ثم جامعة مرموقة أيضا. فيجب على الطلاب خريجي المدارس المتوسطة اجتياز اختبارات صعبة للالتحاق بالمدرسة الثانوية ثم بعد ذلك الجامعة التي يقع اختيارهم عليها، حيث إن دخول المدارس الثانوية والجامعة يتوقف في المقام الأول على نتائج هذه الاختبارات وليس فقط نتائج اختبارات المدارس المتوسطة أو الثانوية. ومن المعروف عن الطلاب اليابانيين بذل الجهد والاستعداد جيدا لاجتياز هذه الاختبارات، يساعدهم في ذلك الأسرة أيضا بتوفير الظروف المريحة لاستذكار دروسهم. كما يوجد الكثير من الطلاب ممن يلتحقون بمدارس تمهيدية أهلية تختص بإعدادهم لاجتياز هذه الاختبارات. وتبعا لإحصائية لوزارة التربية والتعليم اليابانية، يوجد حوالي مليون ونصف طالب ابتدائي، ومليونى طالب مرحلة متوسطة يدرسون في هذه المدارس التمهيدية بعد نهاية اليوم الدراسي بمدارسهم النظامية لإعداد أنفسهم لاجتياز اختبارات القبول بالمدارس الثانوية. ومن الطريف أن يؤدي الطالب اختبارا للالتحاق بهذه المدارس التمهيدية أيضا ! ولذلك فإن رحلة الكفاح الدراسية للطالب الياباني كلها جد ومثابرة ومشقة إلى أن يستطيع الحصول على القبول بالمدرسة الثانوية ثم الجامعة التي يختارها. وليس من الغريب أن يؤدي الطالب اختبار القبول بالمدرسة الثانوية أو الجامعة لاحقا في أكثر من مدرسة أو جامعة في وقت واحد حتى يتسنى له القبول بإحدى المدارس أو الجامعات التي وضعها مرتبة حسب رغباته. ومن النادر حقا أن يرسب طالب في هذه الاختبارات، ولكن لأن المنافسة شديدة خصوصا على الجامعات المرموقة المعروفة والتي تطلب عددا معينا فقط من المتقدمين حسب طاقتها الاستيعابية، فليس من الغريب أيضا أن نجد طلابا بعد فشلهم في القبول بالجامعة التي يرغبونها كرغبة أولى، يدرسون عاما أو عامين في مدرسة تمهيدية للاستعداد لمحاولة القبول بنفس الجامعة مرة أخرى بالرغم من أنه يستطيع دخول جامعة أخرى ولكنها أقل درجة من التي اختارها. وهذا يؤكد مدى المثابرة والجد في تحقيق ما يصبو إليه الطالب. ويؤكد أيضا المقولة اليابانية الشهيرة:yontoo goraku يونطو غوراكو أربع ساعات نجاح، خمس ساعات رسوب أي أربع ساعات نوم تعني النجاح بينما خمس ساعات نوم تعني الرسوب أي لتحقيق النجاح لا ينبغي النوم أكثر من أربع ساعات في اليوم! وفي الحقيقة هذا التكالب على الجامعات الكبرى وبخاصة الوطنية منها، يرجع إلى أن القبول بإحدى هذه الجامعات يؤمن مستقبل الطالب في الحصول على وظيفة مرموقة. فمن المعروف مثلا أن جامعة طوكيو تقوم بتخريج رجال الوظائف البيروقراطية العليا، وجامعة واسيدا - waseda تقوم بتخريج السياسيين والصحفيين، وجامعة كييو - keiyoo تقوم بتخريج رجال الأعمال التنفيذيين وهكذا. ولذلك فقبول الطالب في إحدى هذه الجامعات الكبرى يحدد مسار مستقبله بعد تخرجه. ومن المعتاد أيضا أن يلتحق خريجو هذه الجامعات بالشركات الكبرى والهيئات الحكومية التي توفر لهؤلاء الشباب مزيدا من التدريب في مجال عملهم وذلك بإرسالهم في بعثات خارجية أو داخلية لمزيد من الدراسة في مجالات معينة تتعلق بمجال العمل. ولكن بلا شك إن هذا النظام في القبول والذي يعرف بـ جحيم الاختبارات يمثل الفزع الأكبر للطلاب وقمة التوتر النفسي الذي يؤدي في بعض الأحوال إلى انتحار بعض الطلاب لعدم تمكنهم من الالتحاق بالجامعة التي يرغبونها. الكم المعرفي وثقل العبء الدراسي: ومن المعروف أن نظام السنة الدراسية اليابانية يختلف عن معظم دول العالم حيث تبدأ الدراسة في أول شهر أبريل الميلادي وتنتهي في الخامس والعشرين من شهر مارس. ويعتبر عدد الأيام الدراسية وعدد الساعات في السنة أطول عددا مقارنة بأي دولة أخرى، حيث يبدأ اليوم الدراسي عادة للطلاب من الساعة الثامنة صباحا حتى الساعة الرابعة تقريبا، أما المعلمون فعملهم حتى الساعة الخامسة ولكنهم يظلون في عملهم حتى السادسة والسابعة مساء. بالإضافة إلى ذلك تقل عدد العطلات التي تنقسم إلى عطلة الربيع والتي لا تزيد على عشرة أيام، وكذلك نفس المدة لعطلة رأس السنة الميلادية، ثم العطلة الصيفية التي لاتزيد على أربعين يوما. وعلاوة على ذلك يقوم طلاب المدارس بالذهاب إلى المدرسة أثناء العطلة الصيفية لبعض الأيام تبعا لبرنامج محدد مسبقا، بالإضافة إلى تكليفهم بالقيام بواجبات ومشروعات تتطلب منهم جهدا ليس بالقليل أثناء العطلة. كما يمارسون طوال العطلة نشاطات رياضية مثل السباحة وغيرها بالمدرسة بشكل منتظم حسب برنامج العطلة المحدد مسبقا من قبل المدرسة. وكنتيجة ربما تكون طبيعية لهذا الجهد الدراسي خلال العام، ويحصل الطالب الياباني على أيام دراسية أكثر من أقرانه في أمريكا، ويحصل على درجات تفوق أقرانه في أمريكا وغيرها من الدول المتقدمة في مجالات المعرفة والمقررات الدراسية مثل الرياضيات والعلوم. ويقال أن مستوى التلميذ الياباني في سن الثانية عشرة يعادل مستوى الطالب في سن الخامسة عشرة في الدول المتقدمة. وهذا يدل على الرقي النوعي للتعليم في اليابان. وتبعا لإحصائيتين أجرتهما المؤسسة العالمية من أجل تقويم التحصيل التعليمي لاختبار مدى الاستيعاب في مجال العلوم والرياضيات، حصل تلاميذ المدارس الابتدائية اليابانية على أعلى النقاط من بين تلاميذ المدارس الأجنبية الأخرى. كما جاءت نتيجة طلاب الثانوية اليابانيين من أعلى الدرجات أيضا. ولكن وزارة التعليم اليابانية تسعى منذ حوالي عشر سنوات إلى إقناع الطلاب وأولياء الأمور بتقليل عدد أيام الدراسة للتخفيف عن التلاميذ والطلاب وتشجيعهم على الاستمتاع بوقتهم. وقد استمر النقاش حول هذا المشروع سنوات حتى تقرر إنجازه بمجلس النواب على مراحل، وذلك بجعل يوم السبت الثاني والرابع من كل شهر إجازة بدلا من الدراسة نصف يوم، وأخيرا سيبدأ من شهر إبريل من هذا العام ( 2002 م ) الدراسة خمسة أيام في الأسبوع فقط من الاثنين إلى الجمعة. وكثيرا ما يقال أن نظام التعليم الياباني قبل الحرب العالمية الثانية كان يعتمد على الحفظ عن ظهر قلب، ولكن اليوم يقال أيضا أنه يتسم بالمرونة والذكاء والمبادرة بدرجة كبيرة، وعموما هذه الأشياء من الصعب قياسها، ولكن بشكل عام ربما يغلب طابع الحفظ أيضا وخصوصا إذا تصورنا ذلك من خلال الكم المعرفي الهائل الذي يدرسونه في مختلف المواد، وكذلك نظام الكتابة اليابانية الذي يتطلب الكثير من الجهد في حفظ مقاطع الكتابة الخاصة بهذا النظام. يقول البروفيسور الأمريكي إدوارد بيوشامب بعد تجربتي في التدريس بالجامعات اليابانية لم أعد أندهش كثيرا عندما أجد أن الطلاب اليابانيين ملمون بتاريخ الولايات المتحدة بقدر أكبر من الطلاب الأمريكيين. الحماس الشديد من الطلاب وأولياء الأمور للتعليم وارتفاع المكانة المرموقة للمعلم: وحتى يتسنى لنا فهم المزيد عن نظام التربية الياباني وبخاصة هذا الاجتهاد والجد من قبل الطلاب والآباء والمدرسين، يجب أن ندرك نقطة مهمة وهي أن هذا النظام ربما يعكس الحماس الزائد للشخصية اليابانية تجاه التعلم، ولكن يا ترى من أين أتى هذا الحماس الشديد لليابانيين تجاه التعليم ؟ هذا الحماس الزائد ربما يكون له عوامل كثيرة مثل طبيعة الشخصية اليابانية الفضولية التي تبحث عن الجديد دائما، وكذلك خبرة اليابانيين في استقبال الكثير من الثقافات المختلفة وتطويعها لثقافتهم. ولكن العامل الأهم ينبع من حضارة شرق آسيا بشكل عام وموقفها من التعليم. فقد ركز الصينيون منذ القدم على أهمية التعليم، حيث كانت قوة الحكام قديما تقاس بما يتمتعون به من علم ومعرفة، وكان اختيار كبار موظفي الدولة أيضا على أساس ما يتمتعون به من معارف. وهذه الأفكار هي نتاج الكونفوشيوسية للفيلسوف الصينى كونفوشيوس، وهي فلسفة أكثر منها ديانة ولكنها تأخذ طابع الطقوس الدينية قليلا. وقد تأثرت بها الصين وكوريا واليابان أيضا. وتركز هذه الفلسفة على نظام اجتماعي على أساس قواعد أخلاقية يحكمه حكام ذوو علم ومعرفة وخلق كريم، ويكون الولاء لهؤلاء الحكام والآباء ومن في حكمهم هو دعامة هذا النظام. كما تؤكد هذه الفلسفة النظام العقلاني للطبيعة وأهمية العلم والمعرفة والجد في طلبهما والعمل الشاق. وهذه المفاهيم هي التي تقف وراء حماس الياباني الشديد تجاه العلم والمبادئ الأخلاقية أيضا. وقد استغل حكام اليابان من أسرة طوكوغاوا الحاكمة في عصر إيدو (1603 - 1868م) عصر العزلة اليابانية الطوعية الذي سبق عصر التحديث لليابان، هذه الفلسفة في دعم نظامهم حيث وجدوا ضالتهم للحفاظ على الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية في البلاد التي شهدت صراعات وخلافات في السابق. فالفلسفة الكونفوشيوسية تنادي بالولاء المتناهي للحكام، وكذلك الولاء بين الرئيس والمرؤوس، والسيد والخادم، والأب والابن، والكبير والصغير، وهكذا. كما تدعو إلى طلب العلم والمعرفة والحكمة ولذلك تبنى نظام طوكوغاوا الحاكم في اليابان آنذاك هذه الفلسفة. وبالفعل ظهرت ثمرتها في مجال التعليم، فقد انتشرت العديد من المدارس حيث أنشأت حكومة (الباكفو) في كل إقطاعية في النصف الثاني من عصر إيدو مدرسة أو معهدا تعليميا لتعليم وتربية رجال أكفاء من طبقة المحاربين الساموراي تعليما عاليا. وتعرف هذه المدارس باسم هانقو ـ Hankoo أي مدارس الإقطاعيات، وقد وصل عدد هذه المدارس 255 مدرسة حتى أوائل عصر ميجي. كما انتشرت مدارس الـتيراقويا ـ Terakoya (مدارس أطفال المعابد مثل الكتاتيب) من بداية هذا العصر وازدادت في النصف الثاني منه خصوصا من عام 1830م، وهي مدارس تشبه الكتاتيب لتعليم أبناء عامة الشعب القراءة والكتابة والحساب والقواعد الأخلاقية. وقد بلغ عددها في الفترة من 1868 إلى 1875م أكثر من أحد عشر ألف مدرسة (11.331مدرسة) وهي نسبة بالطبع عالية لم تصل إليها غالبية الدول العربية وحتى الأوروبية آنذاك وتعتبر إنجازا لليابانيين في هذه الفترة، وكذلك انتشرت مدارس الـ غوغاكو ـGogaku في النصف الثاني من هذا العصر والتي تنقسم إلى نوعين، نوع منها لتعليم طبقة الساموراي والآخر لتعليم عامة الشعب.وانتشرت أيضا مدارس أشبه بالمدارس المتوسطة تعرف بـشيجوكو ـ Shijuku للتعليم المتوسط من النصف الثاني لهذا العصر أيضا، وبذلك ازدادت نسبة التعليم بين الشعب حيث يقال أنها وصلت إلى 43? للذكور و15? للإناث في وقت قيام حركة ميجي، وهي بالطبع تعتبر نسبة كبيرة آنذاك مقارنة بأي دول أخرى عند قيام ثورتها، بل تعتبر نسبة متقدمة أيضا مقارنة حتى بالدول الغربية، حيث كانت النسبة 15? فقط في الاتحاد السوفيتي سابقا وكذلك الصين وقت ثورتهما، كما كانت في الهند 10? فقط عند استقلالها. كما تعتبر هذه النسبة أيضا أفضل بكثير من بعض الدول النامية في العصر الحالي. وقد كان بالفعل مبدأ التحصيل العلمي الأكثر أهمية لتحقيق الترقي وتغيير المكانة الاجتماعية للشخص في هذا العصر الذي تميز بوجود التميز الطبقي آنذاك. وبهذا الحماس تجاه التعليم أيضا تمكنت اليابان في عصر ميجى الذي بدأ في عام 1868م، من تحقيق التحديث وانتقال اليابان من دولة إقطاعية متخلفة إلى دولة حديثة من خلال إعلان شعار اللحاق بالغرب وتقفي المعرفة في أي مكان في العالم. وكانت هناك الحاجة لمختلف الكفاءات من مختلف فئات وطبقات الشعب الذي أقبل على التعليم في المدارس لتحسين مكانته في المجتمع من خلال التعلم والارتقاء العلمي. ونشير هنا أيضا إلى دور المعلم في العملية التعليمية في اليابان في مختلف المراحل، حيث إن هذا الدور يعكس اهتمام اليابانيين بالتعليم وحماسهم له، ومدى تقديرهم للمعلمين، فالمعلمون يحظون باحترام وتقدير ومكانة اجتماعية مرموقة، ويتضح ذلك من خلال النظرة الاجتماعية المرموقة لهم، وكذلك المرتبات المغرية التي توفر لهم حياة مستقرة كريمة ويتساوى في ذلك المعلمون والمعلمات. ويتضح كذلك من خلال التهافت على شغل هذه الوظيفة المرموقة في المجتمع. فمعظم هؤلاء المعلمين هم من خريجي الجامعات ولكنهم لايحصلون على هذه الوظيفة إلا بعد اجتياز اختبارات قبول شاقة، تحريرية وشفوية. وبالطبع نسبة التنافس على هذه الوظيفة شديدة أيضا، وهم بشكل عام يعكسون أيضا نظرة المجتمع إليهم، ويعكسون أيضا صورة الالتزام وروح الجماعة والتفاني في العمل عند اليابانيين. فهم إلى جانب عملهم في المدرسة وقيامهم بتدريبات ودراسات لرفع مستوياتهم العلمية، فهم يهتمون بدقائق الأمور الخاصة بتلاميذهم، كما يقومون بزيارات دورية إلى منازل التلاميذ أو الطلاب للاطمئنان على المناخ العام لاستذكار التلاميذ من ناحية، ومن ناحية أخرى يؤكدون التواصل مع الأسرة وأهمية دور الأسرة المتكامل مع المدرسة، وأخيرا يؤكدون المقولة العربية أيضا: قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا الدروس المستفادة: بعد إلقاء هذه النظرة على أهم ملامح نظام التعليم في اليابان نجد أن هذه المميزات التي شكلت هذا النظام التعليمي والذي يعجب به الجميع، تشكل عيبا أيضا في بعض النظريات التربوية مثل شدة المركزية والتركيز على المعرفة والحفظ و ثقل الأعباء الدراسية وجحيم الاختبارات. وبالرغم من تحقيق المساواة في التعليم والمساواة في تكافؤ فرص التعليم، إلا أن جحيم الاختبارات والتنافس الشديد والإقبال الشديد على التعلم، أوجد فوارق بين المدارس إلى حد ما، واحتدت المنافسة أيضا للالتحاق بالمدارس الثانوية المرموقة ومن ثم إلى الجامعات الكبرى المرموقة التي توفر فرصا مرموقة للعمل. ولذلك فإن نظام التعليم الياباني يعتبر مميزا عن نظم التعليم الأخرى، ويعتبر ناجحا بالطبع وقد أدى المطلوب منه في اليابان ولكن هذا كان على حساب قيم أو أهداف أخرى لم تتحقق، وهذا ما يعترف به اليابانيون أنفسهم تجاه نظامهم حيث يشعرون أن روح الجماعة مثلا كانت على حساب الفردية والإبداع.

علِّق

comments powered by Disqus