الفتور في العلاقة الزوجية: أمر طبيعي أم ظاهرة مرضية؟!

في بداية الحياة الزوجية يشترك الزوجان في أمور كثيرة مثل ترتيب المنزل وشراء الأثاث والحاجات الضرورية وترتيب مائدة الطعام والزيارات العائلية والترفيهية، وبعد فترة يخفت بريق الحوارات وتقل النشاطات المشتركة، وتتحول الحياة الزوجية إلى عيشة رتيبة ينقصها التجديد والمشاركة الفعالة، وهنا تنشأ مشكلات عديدة يومية، وتؤدي إلى المشاعر السلبية وإلى الفتور في الحياة الزوجية. يصف أحد الأزواج حياته مع زوجته التي اقترن بها بعد سنوات من الحب بأنها أصبحت مملة جدا. قسمة ونصيب و من الطريف أنني عندما سألت زوجا آخر يعيش مع زوجته منذ 15 عاما قال: اختارت أمي لي زوجتي، ولم أخترها بنفسي، لذلك فالعلاقة بيننا لم تقم على الحب ولم تؤسس على تفاهم وإنما كما يقال أو يشاع: هي القسمة والنصيب!! والآن أصبحت العلاقة بيننا حاليا جافة لا حياة فيها بسبب عدم وجود الحب الكافي، ولكن هنالك سببا آخر أهم وهو انشغالي خارج المنزل وانشغالها هي بتربية الأطفال الخمسة، إضافة إلى أن مشاغل الحياة اليومية خلقت مسافة شاسعة فيما بيننا. الهموم تجمعنا ويقول زوج آخر: إن الأولاد ومشاكلهم ومتطلباتهم هو كل ما يجمعني بزوجتي، أما علاقتنا سويا فتكاد تكون معدومة، نحاول في بعض الأحيان أن نحيي العلاقة ونجملها، ولكن في كل مرة تعود هي لانشغالها وأعود أنا لعملي خارج المنزل، اهتماماتها تنحصر في تربية الأولاد والزيارات العائلية، وحديث النساء على الهاتف، أما أنا فاعتبر العلاقات الاجتماعية هي آخر اهتماماتي وعملي هو الأهم عندي، وأعتبر زيارتي لصديق لي أفضل من الجلوس ولو لربع ساعة مع ابن عمي الذي لا تربطني به سوى صلة القربى، وأشعر أنني أعتد ت على غيابها المعنوي من حياتي، وهي اعتادت أيضا على غيابي عنها، ولكن نشعر في أعماقنا بالحزن والملل، فالأمور ليست طبيعية، وهناك شيء من العزلة وعدم الاستقرار موجود في داخلنا، ولكنني لا أفكر مطلقا بالزواج من أخرى، أو بالطلاق فهي أم أولادي والاحترام يبقى موجود بيننا. حالات فتور وماذا عن الزوجة كيف تصف حالة الفتور التي تعيشها في علاقتها مع زوجها؟ تقول السيدة حياة: زوجي دائم السفر، منشغل في العمل عن البيت والأولاد وعني أيضا، وعندما نجتمع كثيرا ما يعلق بأسلوب جارح على طريقة لباسي أو تصرفاتي، ولا يقصر في ذلك أمام الأولاد أو الأقارب!!، هو يؤمن لنا المال، لكنه شخصيا بعيد كثيرا عن الأسرة، وربما هو الذي خلق ذلك السبب الذي أوجد حالة من الفتور في داخلي تجاهه وتجاه الحياة أيضا، ولكن أحاول أن أخرج منها بالتسوق، بزيارة الأصدقاء، بالاهتمام بالأولاد، أما هو فأنا أعتبره كأنه غير موجود سوى لتقديم المال. وسيدة أخرى ترى أن الفتور في الحياة الزوجية سببه الزوج وانشغاله الدائم خارج المنزل. أغراب في المنزل! تشعر السيدة رجاء بأنها وزوجها يعيشان كالأغراب في المنزل، حيث تقول هو رجل مثقف وصل إلى مراتب عالية من العلم، يدرس في الجامعة، وأنا أتممت الشهادة الثانوية، وتزوجت به مباشرة، ولم استطع أن أكمل دراستي الجامعية لانشغالي بتربية الأطفال، وهذا ما يجعلني أشعر بفارق المستوى الثقافي والعلمي، فهو دائما يتطور وأنا غير قادرة على مجاراته، حتى أصدقاؤه أشعر بالنقص أمامهم، فأنطوي أكثر على نفسي، فعلاقتي به تشكل عبئا كبيرا يرخي بظلاله على كلينا، وأعتقد أن فيها عدم إنصاف له وعدم إنصاف لي، لما فيها من ركود وسكون مميت. مشاهد كثيرة وصور مؤلمة من الحياة الزوجية التي تعاني من الفتور، ألا يوجد حل؟ يقول د. رامي الياس- المحلل النفسي- من الصعب أن نحدد وصفا دقيقا لحالة الفتور التي يعيشها الزوجان لا سيما وأن الكثير منهم يحاول إيهام الآخرين بأن حياتهم بعيدة كل البعد عن ذلك، ولكن في حال عبر الزوجان عن ذلك، ومن خلال خبرتنا في جلسات التحليل، نجد أنها حالة تتحول فيها العلاقة الزوجية إلى مجرد واجب تجاه الطرف الآخر والأولاد، ويظهر فيها أحد الأطراف عدم الاكتراث بالآخر،و تصبح اهتمامات الطرف الآخر ورغباته لا قيمة لها بالنسبة له، فلم يعد العمل المشترك أو السهرات المشتركة أو الزيارات العائلية المشتركة ذات معنى لهما، فنجد مثلا الزوجة تهتم بأولادها وتهمل زوجها، في حين يهتم الزوج برفاقه وعمله وسهراته الخاصة على حساب بيته وزوجته، وباختصار هي حالة من العزوبية يعيشها كل طرف رغم زواجهما. أسباب الفتور أما أسباب الفتور في العلاقة الزوجية، فيرى د. رامي أنها تعود إلى الأساس الذي بنيت عليه العلاقة الزوجية، وإذا أردنا الحق فلا توجد علاقة إنسانية إلا وتمر بمرحلة فتور، سواء أكانت علاقة زواج أو حب أو صداقة، فالفتور جزء من العلاقات البشرية، والإنسان مهما بلغ حرصه فهو غير قادر على إبقاء العلاقة مع الآخر في حالة توقد مستمر، لذا لابد أن نتعرف في البداية بأن الفتور أمر طبيعي وجزء لا يتجزأ من العلاقة الزوجية، والأسباب تبقى عديدة وكثيرة ولكنني ألخصها في الأسباب التالية: - عدم وجود الحوار بين الزوجين، فالحوار يساعد العلاقة على النمو ويجعلها في حالة ديناميكية، وعدم وجوده في العلاقة الزوجية سيؤدي حتما إلى الفتور، والحوار الذي أعنيه هنا ليس الحديث عن صعوبات الحياة المعيشية، لإيجاد حلول لمشكلات الأولاد، وإنما الحوار الحقيقي أعني به أن يضع الزوجان أنفسهما أمام تساؤل هام يدور حول علاقتهما كزوج وزوجة؟أين وصلا؟ وأين هما من المشروع الأساسي الذي على أساسه ارتبطا معا بالزواج؟ قبول الآخر أما السبب الثاني لفتور العلاقة الزوجية كما يراه د. رامي فيتجسد في عدم قبول اختلاف الآخر، إذ أن الحوار يفضي بالطرفين إلي نقاط يشتركان فيها وإلى نقاط أخرى يختلفان عليها، وهنا لا بد من قبول هذا الاختلاف، والبحث من خلال الحوار عن خط أو نمط تفكير مشترك بين الاثنين يؤكد على الإيجابيات الموجودة لدى الآخر ويدعمها، ويقبل بالاختلاف، ويبتعد عن فرضه على الآخر، الفرض الذي يؤدي بنا إلى فقدان نقاط الالتقاء وبالتالي الحوار. إن العلاقة الزوجية تحتاج إلى جهد كبير كي تنمو وتستمر وحتى لا يتحول هذا الاختلاف إلى خلاف يحتاج إلى جهد وتعب وحوار من قبل الطرفين. فتش عن الرجل وهنالك أيضا سبب آخر مهم يجب ذكره، بأن الرجل دون تعميم- يعمل خارج المنزل لساعات طويلة، نظرا لغلاء المعيشة ومتطلبات الحياة الضرورية فإذا لم يتحدث مع زوجته عن عمله وظروفه خارج المنزل فإن الهوة ستزداد حتما، وطالما أن الرجل لا يعترف بأن وجوده مع زوجته يمثل أهمية وجوده في العمل، في هذا الوقت يقع في حالة من الفتور. إن الزوجين غير قادرين على إلغاء الفتور ولكنهما يستطيعان أن يحدا من قوته وتغلغله في العلاقة الزوجية، باتباع الحوار وتقبل الاختلاف ومحاولة معالجة الأسباب التي أدت إلى الفتور. فإذا كان عمل الرجل الزائد هو السبب فيجب أن يأخذ الرجل خطوة عملية بأن يتواجد ساعات أكثر في بيته، أما إذا كانت الزوجة هي المقصرة تجاه أسرتها وزوجها فعليها الاهتمام ببيتها وأن تحاول جذب انتباه زوجها إلى المنزل من خلال تأمين الجو المريح غير المتوتر، فالخطوات العملية للتخلص من حالة الفتور مرتبطة بالأسباب وطبيعة كل زوجين.

علِّق

comments powered by Disqus