استئجار الأرحام

تمهيد بعد اختراع المجهر (الميكروسكوب) واكتشاف العلم أن بداية خلق الجنين في الإنسان وسائر الحيوانات، تحدث من التحام الحيوان المنوي من الذكر بالبييضة التي يفرزها المبيضان من المرأة، فيكونان خلية واحدة، تنقسم بعد ذلك إلى خليتين، ثم إلى أربع ، ثم إلى ثمان، وهكذا. بدأ الأطباء يفكرون في الاستفادة من هذا الاكتشاف العلمي، وكان من الفوائد التي استفاد بها بعض الأزواج التي لا تتوافر في الحيوانات المنوية التي يفرزونها القدرة المطلوبة للوصول إلى البييضة لتخصيبها، أن قام الأطباء باستخراج البييضة من المرأة، ثم تخصيبها في المعمل بحيوان منوي من زوجها، ثم زرعها بعد ذلك في رحم المرأة، ليستمر الحمل حتى تتم الولادة. وتتطور الأمر فوجد على الساحة الطبية ما يسمى باستئجار الأرحام، أو الأم البديلة: وهو عبارة عن: زرع بيضة من امرأة ملقحة بحيوان منوي من زوجها، في رحم امرأة أخرى حتى تلد، مقابل مبلغ من المال، أو دون مقابل مالي، لأسباب متعددة، قد يكون منها: أن صاحبة البييضة لا يصلح رحمها للحمل، أو ليس لها رحم مع وجود المبيضين صالحين أو أحدهما لإفراز البييضات، أو قد تكون ذلك لرغبة صاحبة البييضة في أن تحافظ على صحتها، أو على رشاقتها وجمالها، أو لغير ذلك، من دواع ودوافع. وإذا أردنا أن نتعرف على الحكم الفقهي لهذا العمل، فإننا نرى أنه لا يجوز شرعا لعدة أمور: الأمر الأول: عدم وجود زوجية بين صاحب الحيوان المنوي وصاحبة الرحم البديلة: فإنه يشترط في جواز الإنجاب بين رجل وامرأة، أن يتم ذلك في ظل عقد زواج مستوف الأركان والشروط، التي بينتها أدلة الشرع. وفي الصور التي معنا الآن، لا توجد صلة زوجية، بين هذه الأم البديلة والرجل صاحب الحيوان المنوي، فيكون حملها للبييضة الأجنبية عنها، الملقحة من زوج المرأة الأولى حملا غير مشروع. فالذرية وهم الأولاد ذكورا كانوا أو إناثا، مربوطون بالزوجية، أي لكي يكونوا أولاد شرعيين، لابد أن يولدوا بين زوجين، يشير إلى هذا قول الله تبارك وتعالى: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية (سورة الرعد آية 38). وقوله عز وجل: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (سورة النحل آية 73). فالله عز وجل يمتن علينا في هذا النص الكريم، بهذه النعم، وهي نعمة جعل الزوجات من أنفسنا، ولسن من جنس آخر غير الجنس الآدمي، ونعمة البنين والحفدة الناتجين عن الزوجية، ونعمة الرزق من الطيبات، وإذا كان الامتنان لا يحدث إلا بالخير والنعم، فإن ضد هذه الأشياء لا يكون خيرا ولا نعمة. وقد بين الله عز وجل في كتابه الكريم أيضا، أن من دعاء الصالحين: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما. سورة الفرقان آية 74). وإذا تبين أنه لابد من وجود زوجية حالة، بين صاحب الحيوان المنوي وصاحبة البييضة، حتى يجوز التلقيح بينهما، وأن الذرية، بنين وبنات لابد أن يكونوا من زوجين، فلا يجوز إذن أن تحمل امرأة جنينا لامرأة أخرى. الأمر الثاني: وجود ارتباط شرعي بين حق الإنجاب من رحم معينة وجواز الاستمتاع الجنسي بصاحبة هذه الرحم: ونستطيع القول بقاعدة هي: من له حق الاستمتاع الجنسي بامرأة له حق شغل رحمها بالحمل منه، ومن ليس له حق الاستمتاع الجنسي بامرأة ليس له حق شغل رحمها بالحمل منه. ويحتاج كل شطر من شطري هذه القاعدة إلى دليل يؤيده: أما الدليل على أن كل من له حق الاستمتاع بامرأة له حق شغل رحمها بالحمل منه، فهو أنه لا يجوز لأي زوجة ان تمنع نفسها من الحمل دون موافقة زوجها، لأنه من حقه أن ينجب منها ولو كانت رافضة لذلك، إلا إذا كان رفضها بسبب أن الحمل يؤدي إلى الإضرار بها. وأما الدليل على أن من ليس له حق الاستمتاع الجنسي بامرأة، ليس له حق شغل الرحم بالحمل منه، فإن الزاني بامرأة متزوجة لا ينسب الولد إليه، بل ينسب إلى زوج المرأة، يؤيد هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش، وللعاهر الحجر أي الولد ينسب لصاحب الفراش وهو الزوج. وفي الصورة التي معنا ونريد التعرف على حكمها، نجد أن البييضة التي وضعت في رحم الأم البديلة، هي مخصبة بحيوان منوي من رجل ليس له حق الاستمتاع بهذه الأم البديلة، فلا يجوز له إذن شغل رحم هذه الأم البديلة بالحمل منه. الأمر الثالث: عدم قابلية الرحم للبذل والإباحة: من المعروف عند علماء الشريعة، أنه توجد أشياء قابلة للبذل والإباحة للغير، أي يجوز لصاحبها أن يعطيها ويبيحها لغيره عن طيب نفس، مثل المأكولات، والمشروبات، والملابس، والسيارات، والمساكن، وأدوات الزراعة وأدوات الصناعة، وكتب العلم، ونحو ذلك، فهذه الأشياء، وما ماثلها قابلة للبذل والإباحة للغير، ولهذا يجوز بيعها، وإجارة ما يصلح منها للإجارة، وإعارة ما يصلح لإعارته، كما يجوز هبتها، والتصدق بها، وغير ذلك من صور داخلة تحت جواز البذل والإباحة. وهناك أشياء غير قابلة للبذل والإباحة للغير، أ? يسمح له بها، فلا تباع، ولا تؤجر، ولا تعار، ولا توهب، ولا يجوز التصدق بها، مثل استمتاع الرجل بالمرأة، فهو مقصور على الزوج، فله وحده حق الاستمتاع بها، بكل ألوان الاستمتاع التي أباحها الشرع له، من تقبيل، او اتصال جنسي، أو غير ذلك مما هو مبين وموضح في كتب الفقه الإسلامي، ولا يجوز للزوج أن يسمح لأحد غيره بتعاطي هذا الشيء الذي قصره الشرع عليه، لأن الزوج، كما بين العلماء، لا يملك منفعة مواضع اللذة من زوجته، وإنما يملك الانتفاع بها فقط.. (نهاية المحتاج للرملي 5261، وحاشية قليوبي على شرح المحلى على المنهاج 3219، وحاشية ابن عابدين 2265، وكشاف القناع للبهوتي 56). وفرق بين ملك المنفعة وملك الانتفاع، فمالك المنفعة من شيء يجوز له أن يتنازل عنها لغيره بالبيع أو الإجارة، أو غيرهما من أنواع المعاملات والتصرفات، وأما مالك الانتفاع فلا يجوز له شيء من ذلك لأن الانتفاع مقصور عليه وحده، فلا يجوز إذن للزوج أن يسمح لأحد غيره بأن يستمتع بزوجته بأي لون من ألوان الاستمتاع، كما لا يجوز للمرأة نفسها أن تسمح لأحد غيره بتعاطي هذا الشيء الذي قصره الشرع على زوجها، سواء أكان هذا السماح على صورة إجارة، أو هبة، أو إعارة، أو إهداء، أو تصدق، لأن هذا الشيء من الأشياء التي لا تقبل البذل والإباحة. وإذا كان الاستمتاع الجنسي ومقدماته غير قابل للبذل والإباحة، لتحريم بضع المرأة على غير زوجها، لنه يؤدي إلى شغل رحم هذه المرأة التي استمتع ببضعها، بنطفة لا يسمح الشرع بوضعها فيها، إلا في إطار علاقة زوجية يقرها الشرع. فالرحم غير قابل للبذل والإباحة لغير الزوج، وإلا ما اطمأن أحد إلى صحة انتساب أولاده غليه، ولا اطمأن أحد إلى صحة انتسابه إلى أبيه وأمه، ولهذا كان عدم قابلية الرحم للبذل والإباحة أمرا ضروريا، للمحافظة على صحة الأنساب ونقائها، والبعد عن اختلاطها المحرم في شريعة الإسلام وفي كل الشرائع الإلهية، وأصرح دليل على هذا هو تحريم الزنا، ولعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا إن هذه الصورة فيها معنى الزنا، لوضع حيوان منوي في رحم امرأة ليست زوجة لهذا الرجل، والزنا محرم لهذا المعنى، ولا يغير من الحكم أن الحيوان المنوي لغير الزوج أدخل الرحم مصاحبا بييضة لقحت به، لن الممنوع إدخال حيوان منوي إلى رحم امرأة ليست زوجة لصاحب الحيوان المنوي، سواء أكان الحيوان المنوي أدخل إلى رحم هذه المرأة وحده، أم أدخل مصاحبا بييضة لقحت به، فالتحما واصبحا خلية واحدة. وأما ما يقول به البعض من أن الذي أدخل إلى رحم الأم البديلة ليس حيوانا منويا وإنما الذب تم إدخاله إلى الرحم البديلة هو جنين وعلى ذلك فلا يكون محرما، فالجواب عن هذا أنه لا يستطيع أحد أن ينكر حرمة إدخال حيوان منوي من رجل إلى رحم امرأة لا تربطها به علاقة الزوجية، فهذا أمر واضح الحرمة، وكون الحيوان المنوي التحم بالبييضة وكونا خلية واحدة وانقسمت إلى خليتين ثم إلى أربع ثم إلى ثماني خلايا وهكذا، فإن هذا التغيير لا يقلب حكم تحريم إدخال الحيوان المنوي، وذلك لأن تغيير صفة الشيء المحرم لا تصيره مباحا، وذلك يتضح مثلا فيما لو حولنا لحم الخنزير إلى كبسولات مثلا صنعت منه، فهل يجوز حينئذ للإنسان بلع هذه الكبسولات والتغذي بها؟! لاشك أن تغير هذا الحرام من صورة اللحم إلى صورة كبسولات لا يغير من الحكم ولازال التحريم هو حكم هذا الشيء، فكذا الحيوان المنوي بعد أن تغير التحامه بالبييضة، وانقسما وكونا جنينا، فإن الحرمة لازالت هي الحكم. الأمر الرابع: الشرع حرم كل ما يؤدي إلى حدوث النزاع والخلاف بين الناس: حرم الشرع كل أمر يؤدي إلى حدوث الخلاف والنزاع بين الأفراد، أو الجماعات ولهذا وجدنا أن كثيرا من الشروط التي اشترطها الشارع في صحة العقود، التي تحدث بين الناس، غنما يراد بها سد أبواب الخلاف والنزاع بينهم، ودفع الأضرار عنهم، كاشتراط إمكان تسليم الشيء المبيع للمشتري فلا يصح بيع سيارة سرقت مثلا من صاحبها، ولا يعرف مكانها، ويتعذر على البائع تسليمها للمشتري، فهذا نوع من الغرر، أي الخطر على المشتري، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الغرر، وكاشتراط العلم بالمبيع، وغير ذلك. وإذا كان الشرع نهى عن كل ما يؤدي إلى حدوث النزاع والخلاف بين الناس، فإن تأجير الأرحام سيؤدي في الغالب إلى حدوث هذا النزاع بين المرأتين، أيهما هي الأم، هل هي صاحبة البييضة الملقحة، أم هي التي حملت وولدت؟ بل الاحتمال قائم بصورة قوية أن يمتد الخلاف بين أطراف أخرى، ممن يمكن استفادتهم من ثبوت نسب الطفل إلى جهتهم، وخاصة إذا كان للطفل حقوق مادية، كالميراث من أبيه مثلا. ومن أهداف الشريعة الإسلامية كما أشرنا، سد الأبواب التي تؤدي إلى حدوث النزاع والخلاف بين أفراد المجتمع، فكل ما يؤدي إلى حدوث نزاع بين الأفراد يكون غير جائز شرعا. وهذا النزاع والخلاف بين الأم البديلة والمرأة صاحبة البييضة الملقحة من زوجها، وقع بالفعل، فقد استأجر زوجان أمريكيان امرأة أمريكية متزوجة، لتقوم باستضافة البييضة الملقحة من الزوجين، حتى يكتمل نمو الجنين وتتم الولادة، مقابل أجر معين، وتم بالفعل هذا العمل الطبي، حتى حدثت الولادة، وكانت المفاجأة أن المولود طفل معاق، مصاب بنقص بالغ في حجم الدماغ، بحيث إن من المؤكد أنه سيظل طوال حياته متخلفا عقليا، وكا رد الفعل من زوج المرأة صاحبة البييضة أن رفض الاعتراف بالطفل، بل رفض أيضا أن يدفع المتفق عليه مدعيا أنه ليس أبا لهذا الطفل المعاق، وصعد المر للقضاء، فحكمت بإثبات بنوة الطفل لزوج المرأة صاحبة البييضة، يناء على التحاليل الطبية واختبار الجينات، ومن المؤسف أن الزوجين أصرا على رفض استلام الطفل، وأودع في النهاية دار للحضانة، وتحملت مصاريف إيوائه بدار الحضانة شركة من شركات التأمين. (التقنيات الطبية المتعلقة بالخصوبة بين الفكر الأخلاقي والقوانين والشريعة، للدكتور عبد الله المصلوت بحث مقدم إلى ندوة الضوابط الأخلاقية سنة 1997م بالمركز الدولي للدراسات والبحوث السكانية بجامعة الأزهر، وبنوك النطف والأجنة دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي للدكتور عطا عبد العاطي السنباطي ص 265 دار النهضة العربية 1421هـ 2001م). وحدث عكس هذا في بريطانيا، وأمرت المحكمة الأم البديلة في يناير سنة 1985 بعد ولادة الطفل أن تحتفظ به .. (المصدر السابق). ويلاحظ هنا تضارب في الأحكام عند اللجوء إلى القضاء. وفي بريطانيا أيضا قدمت صاحبة البييضة المخصبة مبلغ 20 ألف جنيه استرليني للأم البديلة مقابل تأجير رحمها تسعة اشهر وبعد انتهاء مدة الحمل عرضت الأم البديلة على صاحبة البييضة ضعف المبلغ مقابل أن تتنازل عن المولود. (الدكتور محمد فياض في مجلة المصور 6 أبريل 2001). وفي ألمانيا عرض على القضاء قضية تعد الأولى من نوعها، حتى إنها لفتت الأنظار إلى نقص في التشريع هناك، فقد حدث أن امرأة اتفقت مع امرأة أخرى على استضافة بييضة منها مخصبة من زوجها حتى تتم الولادة، نظير أجر وصل إلى 27 ألف مارك ألماني يستحق الدفع عند الطلب، وبعد تمام مدة الحمل وهي الأشهر التسعة، ولدت طفلة، وتم تسليمها لأبويها وفقا لما هو متفق عليه، وقبضت الأم البديلة المبلغ الذي تم الاتفاق عليه بين الطرفين، ولم يحصل أي شك عند جميع الأطراف في نسب الطفلة إلى أن حدث أن اجري تحليل لدم الطفلة بعد عام من حدوث الولادة، وهنا حدثت المفاجأة، فقد أكدت البحوث أن الطفلة نتجت عن العلاقة العادية بين الأم البديلة وزوجها، وأن عملية زرع البييضة الملقحة من الزوجين صاحبي البييضة والحيوان لم تنجح، وعلى الرغم من ذلك فإن الأم البديلة لم تسترد طفلتها، لأنها كانت تسلمت المبلغ المتفق عليه، فأدى هذا العمل إلى سوق للنخاسة جديد يتفق مع العصر الحديث، وهو أن يبيع الإنسان أطفاله نظير ثمن معين. (طفل الأنبوب، د. محمد علي البار ص 68، وبنوك النطف والأجنة للدكتور عطا عبد العاطي السنباطي ص 264، 265). ومن القضايا التي حدثت في هذا المجال، كما ذكر لي الدكتور جمال أبو السرور أستاذ أمراض النساء والتوليد وعميد كلية الطب بنين جامعة الأزهر شفاهة، أنه حدث اتفاق بين زوجة وزوجها من ناحية وامرأة أخرى من ناحية أخرى لتوضع البييضة الملقحة من الزوجين في رحم المرأة الأخرى، وزرعت البييضة الملقحة في رحمها، ونما الجنين، وبالفحص الطبي تبين أن الجنين به بعض العيوب الخلقية التي يمكن علاجها بالتدخل الجراحي أثناء فترة الحمل، فرفضت الأم الحاضنة هذا الإجراء، نظرا لأنه سيعرضها لمخاطر التخدير والجراحة، وضربت بعرض الحائط ما قد يحدث الجنين من أضرار نتيجة عدم علاج العيب الخلقي الذي شخصه الأطباء، أثناء فترة الحمل، فأدى هذا النوع من التعاقد الغريب إلى عدم علاج إنسان كان يمكن علاجه بيسر لو كان في رحم أمه الطبيعية، وهكذا نجني على الأطفال بهذا العقد الغريب. ويضاف إلى ما ذكرناه أن الأم البديلة قد تحمل بتوأم مختلفين في البييضة والحيوان المنوي، بأن تؤخذ بييضة ملقحة من زوج صاحبة البييضة، وبييضة أخرى من امرأة أخرى ملقحة من زوجها، وتزرع البييضتان الملقحتان المختلفتان في المصدر في رحم الأم البديلة، فتحمل بتوأم مختلفي المصدر، مما يؤدي إلى التنازع بعد الولادة، لتعيين نسب كل طفل إلى أبويه الحقيقيين. وهذا ما حدث بالفعل، فقد نشرت صحيفة الجارديان البريطانية فضيحة من فضائح اسئجار الأرحام حول السيدة إنجيلا التي تعاقدت معها أسرة غير قادرة على الإنجاب، لكن لم يقتصر الأمر على هذه الأسرة، بل قام الطبيب المختص بغرس بييضة أخرى ملقحة من زوجين آخرين وقد تم هذا في شهر سبتمبر 1996م، ونما الجنينان نموا طبيعيا في رحم هذه الأم، ومن الغريب أن أنجيلا دافعت عن نفسها وتذرعت بأنها تقوم بإدخال السرور على الأسر العاجزة عن الإنجاب. (الاستنساخ والإنجاب دكتور كارم السيد غنيم ص 248 دار الفكر العربي 1418هـ 1998م طبعة أولى، بنوك النطف والأجنة للدكتور عطا عبد العاطي السنباطي ص 267، 268). الأمر الخامس: القاعدة الشرعية: الأصل في الدماء والنساء التحريم ما لم يرد إباحة: من القواعد الشرعية الأصولية قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد حظر، والأصل في الدماء والنساء التحريم ما لم يرد دليل على الإباحة. فتناول كل شيء نافع من الطعام والشراب، وكذا المعاملات واستثمار الأموال، وغير ذلك مباح كله إلا إذا ورد في الشرع دليل يحرمه، وأما في جانب النساء والدماء فالأمر مختلف. فإن الحكم معكوس بالنسبة للنساء والدماء لأن الأصل فيها التحريم ما لم يرد دليل يبيحها، ولذلك قال العلماء: إذا تقابل في المرأة جانب الحل وجانب الحرمة، غلب جانب الحرمة ومن اجل ذلك يمتنع الاجتهاد من الرجل فيما إذا اختلطت امرأة يحرم زواجها منه، كبنته، ? اخته وعمته، بنساء قرية محصورة العدد، فلا يجوز له الاجتهاد، ويتزوج من غلب على ظنه أنها ليست من محارمه، لأن النساء في هذه الصورة ليس أصلهن الإباحة. وقال العلماء: إنما جاز الزواج في صورة النساء اللاتي يكون عددهن غير محصور رخصة من الله، عز وجل، لئلا ينسد باب الزواج على الرجل. (انظر شرح فتح القدير 662، الحاوي للماوردي 625، وقد عبر عنه بقوله: لا للحنفية، ولأنه مما يستباح بعقد الإجارة فلم يجز بيعه كالمنافع). ومما يلفت النظر أن جانب الإنجاب ومقدماته تجاه النساء لا يقتصر الحظر فيه على الناحية الجنسية، بل هو اعم من ذلك، فيشمل كل ما يمهد لها ويكون طريقا إليها، ولهذا شمل التحريم النظر غير البريء، والمس، والخلوة، ولا يباح شيء من هذا إلا بدليل يبيح، وهو ما جاء من دليل الشرع بقصر ذلك على رجل وامرأة يربط بينهما عقد الزواج، وهذا مما يقتضي الحذر في إباحة أمر من أمور النساء، وضرورة بنائه على دليل شرعي. وإذا ثبت أن الأصل في النساء والدماء الحظر حتى يقوم الدليل على إباحة النساء والدماء، فإننا لو طبقنا هذه القاعدة في القضية التي نتكلم فيها، وجدنا أنها تؤدي إلى تحريم استخدام رحم امرأة غير زوجة لرجل لتضع في رحمها نطفته التي لقح بها زوجته، لأنه لا يوجد دليل يبيح هذا العمل، والأصل أن كل ما يتصل بالنساء من ناحية الإنجاب، وسببه، ومقدماته، يكون حراما، إلا ما قام الدليل على إباحته، وهو ما بينه الشرع من قصر ذلك على الزوجين وحدهما. الأمر السادس: احتمال حمل الأم البديلة من زوجها: لكي تتم عملية زرع البييضة الملقحة في رحم المرأة المستأجرة بطريقة سليمة لابد أن يكون وضعها في فترة التبييض لهذه المرأة، وهذا يؤدي إلى احتمال حدوث حمل من زوجها إذا حدثت معاشرة زوجية بينها وبين زوجها خلال أربعة أيام قبل وبعد فترة التبييض. الأمر السابع: احتمال التدليس من المرأة المستأجرة: قبول المرأة المستأجرة للقيام بدور الأم البديلة إنما يكون غالبا بسبب حاجتها إلى المال، وإذا كان الثابت علميا أن احتمال الحمل عن طريق وضع البييضة المخصبة من زوجين في رحم المرأة المستأجرة احتمال لا يتعدى 25 إلى ثلاثين في المائة كما يقول المختصون، وهو ما قد يؤدي لحرص المستأجرة على المبلغ المالي المتفق عليه، إلى أن تقيم علاقة جنسية، لكي تضمن الحمل الذي ستحصل في مقابله على الثمن، والنتيجة وجود مولود ليس للزوجين صاحبي البييضة المخصبة إذا لم يتم الحمل للبييضة المخصبة المزروعة في رحم المرأة المستأجرة. الأمر الثامن: اختلاط الأنساب أمر وارد: عدد البييضات الملقحة التي يتم وصفها في رحم الأم البديلة يكون يف المتوسط ثلاث بييضات ملقحة، ولهذا فإن احتمال حدوث حمل بتوأم أو اكثر وارد، ويمكن أن يكون أحد التوأمين ناتجا عن البييضات الملقحة، والآخر ناتجا من اللقاء الزوجي بين المرأة المستأجرة وزوجها، وإذا لوحظ أنه لا توجد في الطب وسيلة مؤكدة تبين ما إذا كانت الأم البديلة حاملا أم لا حين وضع البييضات الملقحة داخل رحمها، فإن شبهة اختلاط الأنساب ستكون عالية. (الأمر السادس والسابع والثامن من مقال للدكتور حمدي بدراوي أستاذ أمراض النساء والتوليد بطب الأزهر، منشور بصحيفة الأهرام في 9 أبريل 2001). من كل ما يبق: نرى أنه لا يجوز تأجير الأرحام، للأدلة التي بيناها، ومن أبرزها أن الرحم ليست قابلة للبذل والإباحة، فلا تصلح أن تكون محلا للإجارة لأن الإجارة كما عرفها العلماء هي: عقد على منفعة مقصودة، مغلومة، قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم. ومثل العلماء للشيء الذي لا يقبل البذل والإباحة ببضع المرأة، فإن الاستمتاع به قاصرا على الزوج، ولا يجوز إباحة هذا الاستمتاع لغير الزوج، فلا يجوز أن يكون محلا للإجارة. (نهاية المحتاج للرملي 5261، ومغني المحتاج لمحمد الشربيني الخطيب 2332). والرحم أيضا ليست محلا قابلا للبذل والإباحة، فلا يصح إجارتها. وإذا كانت منفعة الرحم لا يجوز أن تكون محلا للإجارة، فلا يجوز كذلك أن تبذل المرأة منفعة رحمها على سبيل الصدقة، كأن تكون قد قامت بهذا العمل على سبيل التطوع ومساعدة الآخرين، لأن الصدقة لابد في صحتها من كون الشيء المتصدق به قابلا للبذل والإباحة، والرحم، كما بينا، ليست قابلة للبذل والإباحة، فلا تصح الصدقة بمنفعتها. بل ولا يجوز أن يكون هذا العمل من المرأة البديلة على سبيل الهدية، ولا على سبيل الهبة، أما أنه لا يجوز على سبيل الهدية، وهي تمليك الغير شيئا دون أخذ عوض منه، إكراما له وتوددا إليه، فلأنه لا يجوز شرعا إهداء ما لا يجوز بذله وإباحته، ولهذا لا يجوز لأحد أن يهدي زوجته إلى آخر للاستمتاع بها، من تقبيل أو غيره. وأما أنه لا يجوز أن يكون هذا العمل على سبيل الهبة، وهي تمليك الغير شيئا دون أخذ عوض منه، لا طلبا للثواب، ولا إكراما وتوددا، فلأن الضابط في الهبة، هو أن كل ما جاز بيعه جاز هبته، والرحم لا يجوز بيعه ولا بيع منفعتها فلا يجوز هبتها. فاتضح إذن أن زرع بييضة من زوجة ملقحة من زوجها في رحم امرأة أخرى حتى تلد، لا يجوز شرعا، لا على أنه إجارة، ولا صدقة، ولا على أنه هدية، ولا على أنه هبة. إلى من ينسب الطفل: إذا حدث الإنجاب بهذه الطريقة، فمع كونها عملا محرما لا يجوز شرعا، كما بينا، فإننا نبحث أيضا في نسب الطفل من حيث الأبوة والأمومة إلى من ينتسب؟ كما بحث العلماء في ولد الزنا، مع كون الزنا حراما، إلى من ينسب؟ أما من ناحية الأبوة فإنني أرى أن الطفل الذي يولد عن طريق تأجير الأرحام، ينسب إلى زوج المرأة صاحبة البييضة المخصبة منه، إذا كانت الأم البديلة غير متزوجة، وتثبت له كل الحقوق المترتبة على ثبوت النسب، كالميراث، وكذا تثبت له صلات القرابات، كالأخوة، والعمومة، والجدودة، فأخو الأب هو عم له، وأبوه جده، وهكذا. ويترتب على هذه المحرمية الثابتة بهذه القرابات، فلا يجوز للابن الذي نتج عن هذه العملية، ان يتزوج إحدى بنات زوج المرأة صاحبة البييضة، لأن أية بنت من بنات هذا الزوج هي أخت لهذا الابن، ولا يجوز كذلك أن يتزوج أخت هذا الزوج، لأنها عمة هذا الابن، وغير هذا مما يترتب على ثبوت النسب لأي إنسان. هذا الحكم نقول به بناء على أمرين: أحدهما: التخريج على حكمين في الفقه القديم. والثاني: التأسيس على حقيقة علمية ثابتة: إليك بيان هذين الأمرين: الأمر الأول: التخريج على حكمين في الفقه القديم: 1-من المألوف في علم الفقه الإسلامي انه إذا حدثت قضية جديدة، لم يجد الفقيه المعاصر حكما لها في كتب الفقه، لكنه وجد حكما لأحد أئمة الفقه، في قضية مشابهة، فإن الفقيه الباحث عن حكم القضية الجديدة، يعطي لهذه القضية الحكم الذي أعطاه الإمام السابق، لكون القضيتين متشابهتين. ومع أن هذا العمل العلمي في البحث عن الأحكام الشرعية هو قياس مسألة جديدة، لم يتبين الفقيه حكمها، على مسألة قديمة أفتى فيها عالم من العلماء بحكم شرعي، فإن العلماء يعبرون عن هذه العملية بالتخريج، ولا يعبرون عنه بالقياس، فيقولون مثلا: حكم هذه القضية هو كذا تخريجا على ما قاله الإمام أبو حنيفة، أو الإمام مالك، أو الإمام الشافعي، أو الإمام أحمد، أو غيرهم من كبار علماء الفقه الإسلامي، في قضية سابقة هي كذا، ولا يقولون إنهم يفتون بهذا الحكم قياسا على ما قاله الإمام السابق، وهذا نوع من الاصطلاح في التعبير، ولعلهم في هذا يريدون التفرقة بين عملية القياس وهو المدر الرابع من مصادر التشريع في الإسلام، وهو إلحاق أمر لم يرد في الكتاب الكريم، أو السنة، أو الإجماع، بأمر ورد حكمه في أحدهما، لاشتراك الأمرين في علة الحكم، نقول: لعلهم يريدون التفرقة بين عمل القياس والعمل الجديد، فالأصل في عمل القياس: غما نص قرآني، أو حديث نبوي، أو إجماع الأئمة المجتهدين على حكم شرعي بعد عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأصل في التخريج ليس ما ذكرنا، وإنما هو حكم أفتى به أحد أئمة الفقه الإسلامي، فلعل علماؤنا رأوا التفرقة في التعبير بين هذين العملين، نظرا إلى هذا المعنى الذي بيناه. بعد هذا نقول: إن ثبوت نسب الطفل المولود إلى زوج صاحبة البييضة المخصبة منه، نقوه تخريجا على حكمين موجودين في المصادر الفقهية القديمة: الحكم الأول: ما أفتى به فريق من العلماء من صحة نسبة ولد الزاني إلى الزاني، إذا كانت الزانية غير متزوجة، فبعد أن اجمع العلماء على أنه إذا ولد طفل من زوجين فادعاه آخر لا يجوز إلحاقه به (المغني لموفق الدين بن قدامة، مطبوع مع الشرح الكبير لعبد الرحمن بن محمد بن قدامة المقدسي 713). لأن الولد لصاحب الفراش، استنادا إلى ما ورد من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر. وهذا الحديث له سبب ورود، فقد اختصم سعد بن أبي وقاص، ورجل آخر، اسمه عبد بن زمعة، أخو سودة بنت زمعة، إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم على غلام، ولدته جارية كان يملكها زمعة والد عبد بن زمعة، فادعى سعد بن أبي وقاص أن هذا الغلام هو ابن أخيه عتبة بن أبي وقاص، لأن أخاه عتبة عهد إليه أنه ابنه، وأنكر عبد بن زمعة هذا الادعاء، فترافعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم الرسول بأن الولد ينسب لصاحب الفراش وهو هنا سيد الجارية. وروى البخاري ومسلم وغيرهما، عن عائشة رضي الله عنها قالت: فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي عتبة بن ابي وقاص عهد إلي انه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى شبها بينا بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر، ثم قال لسودة: واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة، فلم ير سودة قط. وفي رواية أخرى: هو أخوك يا عبد، وفي لفظ للبخاري: الولد لصاحب الفراش. (نيل الأوطار للشوكاني 475، 76). فهذا الحديث يبين أن الولد ينسب لصاحب الفراش، وهو الزوج. ويرى ابن قيم الجوزية أحد كبار فقهاء الحنابلة أن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم مراعاة للشيئين، وإعمالا للدليلين، لأن الفراش دليل حقوق النسب، والشبه بغير صاحب الفراش دليل نفي النسب، واعمل الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الفراش بالنسبة إلى المدعي لقوة الفراش، فأعمل الشبه الظاهر بعتبة بن أبي وقاص بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبين سودة بنت زمعة. قال ابن القيم بعد هذا البيان: وهذا من احسن الأحكام وأثبتها وأصحها، ولا يمتنع ثبوت النسب من وجه دون وجه فهذا الزاني يثبت النسب منه بينه وبين الولد في التحريم والبعضية، دون الميراث، والنفقة، والولاية، وغيرها، وقد تتخلف بعض أحكام النسب عنه مع ثبوته لمانع، وهذا كثير في الشريعة. (مثل القتل والردة فإنهما يمنعان من الميراث مع ثبوت النسب). فلا ينكر من تخلف المحرومية بين سودة وبين هذا الغلام لمانع الشبه بعتبة، وهل هذا إلا محض الفقه. (زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم 4115، ونيل الأوطار للشوكاني 778). نقول: بعد ان اجمع العلماء على أنه إذا ولد طفل من زوجين، فادعاه آخر لا يجوز إلحاقه به، لأنه الولد للفراش، اختلفوا فيما لو كان الطفل من زنا على غير فراش أي بامرأة غير متزوجة. فجمهور العلماء، أي غالبيتهم، يرون أيضا عدم جواز إلحاق ولد الزنا في هذه الصورة بالزاني. ويرى فريق آخر من العلماء غير هذا الرأي، فقال الحسن البصري: يلحق بالزاني إذا أقيم عليه الحد، ويرثه. قال إبراهيم النخعي: يلحق بالزاني بأحد أمرين: إذا أقيم عليه الحد، أو ملك الموطوءة بالزواج او ملك اليمين. (المغني لابن قدامة مصدر سابق 7129). وذهب إسحاق بن راهويه: إلى أن المولود من الزنا إذا لم يكن مولودا على فراش يدعيه صاحبه، وادعاه الزاني ألحق بهن وأول قول النبي صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش على أنه حكم بذلك عند تنازع الزاني وصاحب الفراش. قال ابن القيم بعد أن ذكر هذا: (زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم 4115، ونيل الأوطار 778): وهذا مذهب عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، ذكرا عنهما أنهما قالا: أيما رجل أتى بغلام يزعم أنه ابن له، وأنه زنى بأمه، ولم يدع ذلك الغلام أحد فهو ابنه، واحتج سليمان بن يسار بأن عمر بن الخطاب كان يليط أي: يلحق أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام. وروى علي بن عاصم عن أبي حنيفة أنه قال: لا أرى بأسا إذا زنا الرجل بالمرأة، فحملت منه، أن يتزوجها مع حملها، ويستر عليها والولد ولد له. (المغني لابن قدامة 7130). ويرجح ابن القيم المذهب المخالف للجمهور ويقول: وهذا المذهب كما ترى قوة ووضوحا، وليس مع الجمهور أكثر من الولد للفراش ثم رد ابن القيم على الاستدلال بهذا الحديث الشريف: بأن الذين يقولون بلحوق ولد الزنا بمن يدعيه إذا لم يكن مولودا على فراش يدعيه صاحبهن يقولون بما يوجبه الفراش، لكن الكلام فيما لو لم يكن هناك فراش، ثم بين ابن القيم أن القياس يقتضي صحة هذا الرأي القائل بإلحاق ولد الزنا بمن يدعيه، إذا ولد على غير فراش، وذلك لأن الأب أحد الزانيين، فالزنا حادث من أبي الطفل وأمه، وإذا كان الطفل يلحق بأمه، وينسب إليها، وترثه، ويرثها، ويثبت النسب بينه وبين أقارب أمه مع كونها زنت به، وقد وجد الطفل من الزانيين، وقد اشتركا فيه، واتفقا على أنه ابنهما، فما المانع من لحوقه بالأب، إذا لم يدع غير الأب هذا الطفل؟. (زاد المعاد لابن القيم 4119). ونقول إذا كان فريق من العلماء بهذه الدرجة من العلم والفقه لأحكام الشريعة يقولون بلحوق ولد الزنا بمن يدعيه، إذا لم يكن مولودا على فراش يدعيه صاحبه، فإننا نقول تخريجا على هذا الحكم، بلحوق الطفل الذي ولد بطريقة تأجير الأرحام، بصاحب الحيوان المنوي، الذي لقحت به البييضة التي وضعت في رحم امرأة ليست صاحبة البييضة. والحكم الثاني: الذي نقول بهذا الحكم تخريجا عليه، هو ما قاله بعض العلماء من أن النسب يشترط فيه المشروعية أثناء إنزال المني، ولا يشترط فيه المشروعية أثناء الإدخال في المرأة. (نهاية المحتاج للرملي 8341 قال الرملي في مجال كلامه عن أم الولد، وهي الجارية التي جامعها سيدها فحملت وولدت، قال: لو استجلبت، يعني الجارية مني سيدها المحترم بعد موته، فإنها لا تصير أم ولد، لانتفاء ملكه لها حال علوقها، وإن ثبت نسب الولد وما بعده، وورث منه لكون المني محترما، ولا يعتبر كونه محترما حال استدخالها، خلافا لبعضهم، فقد صرح بعضهم بأنه لو انزل في زوجته فساحقت بنته، فحملت منه لحقه الولد، وكذا لو مسح ذكره بحجر بعد إنزاله في زوجته، فاستجمرت به أجنبية فحملت). وفي هذه الصورة التي نتكلم فيها، كان إنزال المني مشروعا، لأنه كان بين رجل وامرأة تربطهما علاقة زوجية صحيحة، فالبييضة من المرأة ملقحة من زوجها، وليس من المحرمات تلقيح البييضة من الزوج، وإنما عدم المشروعية في تأجير الأرحام، إنما كان في الإدخال، فإن البييضة الملقحة من زوجين لا يجوز شرعا إدخالها في رحم امرأة أخرى، ولا يشترط في ثبوت النسب كما يرى بعض العلماء المشروعية أثناء الإدخال. هذا ما يتصل بتخريج هذا الحكم على حكمين ذكرهما الفقهاء القدامى، وهو الأمر الأول من الأمرين اللذين بنينا الحكم عليهما كما قلنا سابقا وهما: أولا التخريج على حكمين في الفقه القديم، وثانيا التأسيس على حقيقة علمية حديثة، وإليك الكلام عن الحقيقة العلمية الحديثة التي تؤدي إلى القول بأن صاحب الحيوان المنوي وهو زوج المرأة الأولى، هو أبو الطفل. الأمر الثاني: التأسيس على الحقيقة العلمية الحديثة: أدت الاكتشافات العلمية الحديثة واختراع المجهر (الميكروسكوب) إلى تبين أن أنسجة الجسم مكونة من خلايا، وكل خلية تحتضن نواة هي المسئولة عن حياة الخلية ووظيفتها، كما بينت هذه الاكتشافات الحديثة أن النواة في كل خلية تحوي المادة الإرثية بداية من الخواص التي تجمع بين الجنس البشري وانتهاء بالتفصيلات التي تختص بالفرد فلا يشاركه فيها آخر، منذ خلق الإنسانية إلى انتهائها. وتوجد المادة الإرثية في نواة الخلية من أجسام صغيرة جدا يسميها العلماء: الصبغيات الكروموزومات) وهي تراكيب تشبه الخيوط في نواة الخلية حينما تكون على وشك الانقسام، ويوجد في كل خلية من خلايا الجسم الإنساني 46 كروموزوما وهي على صورة ثلاثة وعشرين زوجا، هي فرد من الأب وفرد من الأم، وقد تمكن العلماء من التعرف على هذه الأجسام الصغيرة، وترتيبها حسب تسلسلها، ابتداء من الزوج الأول وانتهاء بالزوج الثالث والعشرين. (انظر كتاب هكذا ألقى الله رسالة إلى العقل العربي المسلم، للدكتور حسان حتحوت ص 115، وقراءة الجينوم البشري للدكتور حسان حتحوت ص 3 بحث مقدم إلى ندوة الوراثة والهندسة الوراثية المنعقدة بالكويت في 13- 15 أكتوبر 1988، والاستنساخ والإنجاب للدكتور كارم السيد غنيم ص 19). وتنقسم الكرومزومات إلى مجموعتين: إحداهما: الكرومزومات الذاتية، وهي 22 زوجا تتشابه تشابها تاما في كل من الذكر والأنثى، وهي التي تؤثر في الصفات الجسدية، كطول القامة، ولون الشعر، ولون العين، ولون البشرة، والقابلية للأمراض. والمجموعة الثانية: هي الكروموزمات الجنسية، وعددها زوج واحد، وهو متماثل في الأنثى يسمى كروموزوم س X بينما يختلف هذا الزوج في الذكر، فرد من هذا الزوج يسمى كروموزوم س X الموجود عند الأنثى، والفرد الآخر الأقصر يسمى كروموزوم ص Y . والكروموزومات الجنسية هي المسئولة عن الصفات الجنسية، وبينت البحوث العلمية أن العوامل الوراثية تنتقل من خلية إلى خلية أخرى أثناء الانقسام الخلوي. والانقسام الخلوي يتنوع إلى نوعين: أحدهما: انقسام خيطي، أي فتيلي، أو غير مباشر، وهو يؤدي إلى إيجاد خلية تماثل الخلية السابقة، الخلية الأم، وتحتوي نفس عدد الكروموزومات أي 46 كروموزما، وهذا النوع من الانقسام الخلوي يحدث في كل خلايا الجسم الإنساني، عدا الخلايا الجنسية، أثناء النمو، والتئام الجروح، وتعويض الفاقد. والنوع الثني من الانقسام الخلوي: هو الانقسام الاختزالي، وهو يؤدي إلى إنتاج خلايا مختلفة عن الخلايا الأم، وبه يتم اختزال الكرومزومات الـ 56 إلى نصفها، وهو 23 كرموزوما، وهذا النوع من الانقسام يحدث أثناء تكوين الأمشاج. (الأمشاج: جمع مشيج، والمشيج يعبر به بعض العلماء عن الخلية التناسلية وقد وضع جوهانسن عام 1909 تعريفا للخلية التناسلية جاميط ( GAMMETE ) والبعض يترجم هذا المصطلح أحيانا إلى اللغة العربية بلفظ: مشيج، انظر: الاستنساخ والإنجاب للدكتور كارم السيد غنيم ص 21). في كل من خصية الرجل ومبيض الأنثى. (الاستنساخ والإنجاب للدكتور كارم السيد غنيم ص 21، والتشوهات الوراثية في الجنين للدكتور خالد عبد الله العلي ص2 بحث مقدم إلى ندوة الانعكاسات الأخلاقية للأبحاث المتقدمة في علم الوراثة بالدوحة 13- 15 فبراير 1993). ولهذا فإن النواة في كل من البييضة والحيوان المنوي تحتوي العدد النصفي من الكرومزومات، فإن تم تلقيح البييضة بالحيوان المنوي فإن الخلية الناتجة، أي الملقحة أو بتعبير ىخر المخصبة تكون النواة فيها محتوية للعدد الكامل للكروموزمات وهو 23 زوجا، أي 46 كروموزوما. (الاستنساخ والإنجاب للدكتور كارم السيد غنيم ص 21).؟ ومما سبق يتبين: أن انتقال البييضة من المرأة الملقحة بالحيوان المنوي من زوجها إلى رحم امكرأة أخرى ستكون حاملة للصفات الوراثية لكل من الرجل والمرأة الزوجين، ولا يغير من هذه الصفات الوراثية لهذه البييضة الملقحة انتقالها إلى رحم امرأة أخرى، فالرحم ليست إلا وعاء لغذاء الطفل، ولهذ فإننا نقول إن الطفل الذي سيكون نتيجة تأجير الرحم، هو ابن للزوجين أخذا منهم البييضة الملقحة، وليست المرأة صاحبة الرحم المنقول إليها البييضة المخصبة هي أمه من النسب، وإنما تأخذ حكم الأم من الرضاع، تسري عليها كل الحكام التي تسري على الأم من الرضاع، من تحريم الزواج، وجواز النظر الذي يجوز للمحارم والخلوة وغير ذلك. وهذا إذا كانت المرأة صاحبة الرحم المنقول إليها البييضة المخصبة ليست زوجة وإنما خالية من الزواج، وأما إذا كانت زوجة فلا نستطيع أن نفتي إلا بنسبة الولد لها ولزوجها، اعتمادا على حديث: الولد للفراش وللعاهر الحجر. ومما يستأنس به في هذا المجال شيئان: الشيء الأول: أننا وجدنا بعض الأحكام الشرعية تثبت على خلاف الظاهر، فقد نص العلماء على أنه إذا أتت المرأة بولد بعد ستة أشهر فقط من حين تزوجها، فإن الولد يلحق بزوجها مع ندرة الولادة بهذه المدة، ولو زنا رجل، ثم تزوجت الزانية، وأتت بولد لتسعة أشهر من حين الزنا، ولستة أشهر من تاريخ الزواج، والزوج ينكر أنه حدث بينه وبينها اتصال جنسي، فإن الحكم كما قال العلماء، هو إلحاق الولد بالزوج، مع ظهور صدقه لأمرين: أحدهما: لأن الأصل عدم ثبوت نسبته إليه إلا بسبب. والأمر الثاني: هو الغالب في أثر الحمل، لأن الغالب أن الولادة تكون بعد تسعة أشهر لا بعد ستة، فمع ظهور صدق الزوج لهذين الأمرين الذين بيناها، فإن الولد لا ينسب إلى الزاني مع ظهور كونه منه لأنها وضعته على تسعة أشهر بعد الزنا، وذلك لحكمة هي أن الزوج يمكنه أن يدفع هذا عنه باللعان. (إذا غلب على ظن الزوج أن زوجته زانية فله أن يتهمها بذلك، وحينئذ يجب أن يؤيد اتهامه بأربعة شهود، فلو لم يوجد معه شهود وجب أن يعاقب بالجلد ثمانين جلدة، إلا إذا بين أنه سيلاعن، ومعنى اللعان: أنه يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رمى زوجته به من الزنا ويقول في الشهادة الخامسة إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وبهذا تستحق الزوجة العقوبة على الزنا، إلا إذا لاعنت هي الأخرى، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنا، وتقول في الخامسة إن غضب الله عليها إن كان من الصادقين). وإنما المشكل أن يلزم بضرر لا يمكن أن يدفعه عن نفسه. (قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبد السلام 2278). الشيء الثاني: أننا لو فرضنا أن امرأة زنجية سوداء آباؤها وجدوده من السود، وزرعت هذه البييضة الملقحة في رحم امرأة شقراء، فلا تنتظر إلا أن يجئ المولود أسود اللون، إلا إذا نزعه عرق على خلاف العادة. شبهات والرد عليها: قد يقال إن الطفل يجب أن ينسب إلى التي ولدته لأن الأم التي حملت وولدت، لأن الله عز وجل قال: إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم.. الآية. والرد على هذا أن الآية الكريمة جاءت في سياق الرد على المظاهرين، والمظاهر يقول لزوجته: أنت علي كظهر أمي، فيدعي بهذه الكلمة أن زوجته أصبحت أما له، ويحرمها على نفسه بناء على هذه الكلمة، فجاء الرد من الله، عز وجل بما يفيد أن زوجاتكم ليست أمهاتكم، وغنما أمهاتكم هي اللاتي ولدنكم، فهذا النص الكريم يمكن أن يفهم على أنه من باب القصر الإضافي وليس قصرا حقيقيا، والقصر الإضافي لا يفيد النفي في الحقيقة عن ما عدا المقصور عليه. فكأن معنى الآية يفيد خطاب المظاهر بأن زوجتك ليست أمك التي ولدتك، وهذا لا ينفي أن تكون هناك أما أخرى غير التي جاء القصر الإضافي عليها. ولو كان القصر في قوله تعالى: إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم يفهم على أنه قصر حقيقي، لما ك

علِّق

comments powered by Disqus