اضطهاد المسلمين وتعذيبهم .

المتتبع للسيرة النبوية يجد أن المسلمين قد تعرضوا لاضطهاد شديد بسبب اعتناقهم الإسلام وكتب السيرة والتاريخ تحكي صورا عديدة للتعذيب الذي وقع بالمسلمين، وبالرغم من ذلك فإن المسلمين ظلوا مستمسكين بدينهم ثابتين عليه صابرين على ما أصابهم من البلاء، والنبي صلى الله عليه وسلم يصبرهم ويواسيهم ويدعوهم إلى الثبات ويعدهم بالنصر والفرج . ومما يدل على شدة العذاب الذي نزل بالمسلمين ما رواه خباب رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد برده في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة شديدة فقلت يا رسول الله ألا تدعو الله فقعد وهو محمر وجهه فقال إن كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه . أخرجه البخاري ومسلم وعن سعيد بن جيبر أنه سأل ابن عباس رضي الله عنه أكان المشركين يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم قال نعم والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به حتى يطيعهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولون آللات والعزى إلهك من دون الله فيقول نعم حتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون أهذا الجعل إلهك من دون الله فيقول نعم افتداء منهم مما يبلغون من جهده. عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعمار وأهله وهم يعذبون فقال: أبشروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة . وممن أوذي بسبب إيمانه وعذب عثمان بن عفان رضي الله عنه روي أنه لما أسلم أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه وربطه وأقسم أن لا يحل إلا إذا ترك الإسلام فأقسم عثمان على عدم تركه الإسلام فلما رأى عمه صلابته في دينه تركه . وممن أوذي عبد الله بن مسعود ومن المواقف المشهورة والتي أوذي فيها أشد الإيذاء أنه عزم على الجهر بالقرآن بين المشركين علانية فحذره المسلمون من مغبة ذلك إلا أنه أصر وجاء إلى الكعبة وكفار قريش جلوس حملها فقرأ بأعلى صوته بعضا من آيات القرآن الكريم فعندما فعل ذلك قام إليه كفار قريش فضربوا وجهه حتى أدموه . فقال له الصحابة هذا الذي خشينا عليك قال ما كان أعداء الله أهون منهم الآن وليئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا قالوا لا حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون . وممن أوذي في الله أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقد قام خطيبا في المسجد الحرام ذات يوم فقام إليه كفار قريش فضربوه ضربا شديدا وممن ضربه في ذلك اليوم عتبة بن ربيعة حيث جعل يضربه على وجهه بنعلين مخصوفتين حتى ما يعرف وجهه من أنفه وجاء بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر وحملوه في ثوب إلى منزله ولا يشكون في موته وأقسموا لئن مات أبو بكر ليقتلن عتبة بن ربيعة وكان من أشد من لقي العذاب بمكة الموالي إذ أن قريشا جعلت كل أحقادها وكراهيتها على هؤلاء الموالي الذين لم يكن لهم منعة ولا عصبة تمنعهم ولعل من أشهر من عذب في مكة آل ياسر بل يضرب بهذه الأسرة المثل في الابتلاءات في تاريخ الإسلام فقد كان بنو مخزوم يخرجون بهم إذا حميت الظهيرة فيعذبونهم برمضاء مكة . وقد مر بهم الرسول صلى الله عليه وسلم ذات مرة وهم يعذبون فقال لهم ( أبشروا آل عمار وآل ياسر فإن موعدكم الجنة ) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقد قام أبو جهل ذات يوم وهم يعذبون بطعن سمية بنت خباط زوجة ياسر وأم عمار في قبلها بحربة كانت معه فماتت من هذه الطعنة فكانت بذلك أول شهيدة في الإسلام . ثم بعد ذلك قتل ياسر في العذاب وتفنن الكفار في تعذيب عمار حتى حملوه على النطق بكلمة الكفر بلسانه فتزل فيه قول الله تعالى إلا من أكره وقبله مطمئن بالإيمان وممن عذب أيضا ولم يلق نصيرا ولا معينا بلال بن رباح وكان مولى لبني جمح وكان عبدا حبشيا وكان مولاه أمية بن خلف فكان يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى فيقول وهو في ذلك البلاء أحد أحد . بل بلغ من حنقهم عليه أن ربطوا في عنقه حبلا وأمرموا صبيانهم أن يشتدوا به بين جبال مكة وهو في ذلك لا يزيد على قوله أحد أحد . ولما رأى أبو بكر ما يلقى بلا لا منم كفار قريش جاء إلى مولاه أمية بن خلف فاشتراه منه بخمس أواق فلما اشتراه وانطلق به قال له بلال إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني وإن كنت إنما اشتريتني لله فدعني وعمل الله . أخرجه البخاري في صحيحه . وممن عذب في مكة بسبب إسلامه خباب بن الأرت التميمي سبي في الجاهلية وبيع في مكة وكان مولى لأم أنمار الخزاعية وكان يعمل حدادا في صناعة السيوف وقد لقي من صنوف العذاب في المال والنفس الشيء العظيم وقصته مع العاصي بن وائل مشهورة يحكيها بنفسه فيقول : كنت قينا بمكة فعملت للعاصي بن وائل السهمي سيفا فجئت أتقاضاه فقال لا أعطيك حتى تكفر بمحمد فقلت لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى يمتك الله ثم يحييك قال إذا أماتني الله ثم بعثني ولي مال وولد فسأقضيك فأنزل الله أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولد . أطلع الغيب أم اتخذ عن الرحمن عهدا متفق عليه وكان من الموالي المعذبين غير هؤلاء كثير وكان أبو بكر رضي الله عنه يعتقهم لله حتى قال له أبوه أبو قحافة يا بني إني لأراك تعتق رقابا ضعافا فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون دونك فقال أبو بكر: يا أبت إني إنما أريد ما أريد لله عز وجل فأنزلت الآية فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى إلى قوله تعالى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى وما ذكرناه نماذج فقط من إيذاء الكفار للمسلمين وإلا فإن كل المسلمين قد أصابهم من إيذاء الكفار إما بالكلام وإما بالفعال حتى إن الصحابة كانوا يستخفون بصلاتهم عن المشركين قال ابن إسحاق وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحي بعير فشجه فكان أول دم هريق في الإسلام . وهذا الخبر يدل على مقدار ما واجهه الصحابة رضي الله عنهم في مبدأ الإسلام من محاصرة المشركين ومتابعتهم إياهم حتى اضطروهم إلى الاستخفاء بصلاتهم في الشعاب النائية ومع ذلك وصل إليهم المشركون وعابوهم وقاتلوهم . مقاطعة المشركين لبني عبد المطلب والمسلمين لما بلغ الأذى من المشركين للمسلمين أشده واجتمعت قريش على قتل النبي صلى الله عليه وسلم علانية جمع أبو طالب بني أبيه وأمرهم أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم ويمنعوه ممن أرد قتله فاجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم فمنهم من فعل ذلك حمية ومنهم من فعله إيمانا فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوه أجمعوا أمرهم على أن لا يجالسوهم ولا يبايعونهم حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق لا يقبلوا من بني هاشم أبدا صلحا . فمكث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين واشتد عليهم البلاء وقطعوا عنهم الأسواق وكان أبو طالب إذا نام الناس أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد مكرا به واغتياله فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو اخوته فاضطجع على فراش النبي صلى الله عليه وسلم ويأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فراش ذلك الرجل فينام عليه . وقد أقام بنو هاشم وبنو المطلب في ذلك الشعب ثلاث سنين لا يصل إليهم شيئا إلا سرا وكان حكيم بن حزام يرسل إليهم بالبعير المحمل بالأطعمة من قمح وغيره إلا أن ذلك لم يكن ليكفيهم فأقاموا على ذلك في جهد جهيد حتى شاء الله جل وعلا أن تنقض هذه الصحيفة وكان خير من قام في ذلك هشام بن عمرو وكان ذا شرف في قومه وكان يأتي بالبعير وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا وقد أوقره طعاما حتى إذا أقبل به فم الشعب خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبه فيدخل الشعب عليهم ثم يفعل مثل ذلك ويجعل عليه ثيابا لهم وهكذا . فمشى هشام إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال يا زهير أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت لا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم أما إني لأحلف بالله أن لو كان أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه ما أجابك إليه أبدا . فقال ويحك يا هشام فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها قال قد وجدت رجلا قال فمن هو قال أنا قال له زهير أبغنا ثالثا . فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه ؟ قال ويحك فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد قال قد وجدت لك ثانيا قال من هو قال أنا قال أبغنا ثالثا قال قد فعلت قال من هو قال زهير بن أمية قال أبغنا رابعا . فذهب هشام إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدي فقال وهل من أحد يعين على هذا قال نعم قال من هو قال زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك قال أبغنا خامسا . فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم فقال له وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد قال نعم ثم سمى له القوم فاتعدوا جبل الحجون ليلا فاجتمعوا هنالك فاجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها وقال زهير أنا أبدأ فأكون أول من يتكلم ? فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم وغدا زهير بن أمية عليه حلة فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس فقال يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم والله لا أقعد حتى تشق هذا الصحيفة القاطعة الظالمة . فقال أبو جهل وكان في ناحية المسجد كذبت والله لا تشق . فقال زمعة بن الأسود أنت والله أكذب ما رضينا كتابتها حيث كتبت قال أبو البختري صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به قال المطعم بن عدي صدقتما وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك . فقال أبو جهل هذا أمر قد قضي بليل تشور فيه في غير هذا المكان . فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا بسمك اللهم . وبهذا انتهت ثلاث سنوات من الحصار الذي عانى منه بنو هاشم وبنو عبد المطلب ومن معهم من المسلمين . الدروس والعبر : في محافظة الصحابة على دينهم وحماسهم في الدعوة إليه مع ذلك الاضطهاد الشديد من أعدائهم دليل على قوة إيمانهم وهو موقف جليل يكتب لهم في سجلهم الحافل بالمواقف العالية . (د. عبد العزيز الحميدي) أن ثبات المؤمنين على عقيدتهم بعد أن ينزل بهم الأشرار والضالون أنواع العذاب والاضطهاد دليل على صدق إيمانهم وإخلاصهم في معتقداتهم وسمو نفوسهم وأرواحهم بحيث يرون ما هم عليه من راحة الضمير واطمئنان النفس والعقل وما يأملونه من رضى الله جل شأنه أعظم بكثير مما ينال أجسادهم من تعذيب وحرمان واضطهاد . (الأستاذ مصطفى السباعي) أن في تباطؤ الناس عن الدخول في الإسلام لدليلا على مدى قوة وتغلغل العادات والتقاليد في المجتمعات التي تعيش ردحا من الزمان في الجاهلية وفساد الفطرة وهو وضع يواجهه الدعاة في كثير من المجتمعات قديما وحديثا حتى المجتمعات الإسلامية عندما يخبو فيها صوت الدعوة المقتدية بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم تجد أثرا كبيرا للعادات والتقاليد في تسيير حركة المجتمع في المجالات المختلفة وتجد استنكارا ممن وقعوا في أسر هذه العادات والتقاليد لصوت العقل المهتدي بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح في فهم الإسلام .(د. مهدي رزق الله أحمد) اضطر الصحابة إلى الاستخفاء بأبرز شعائر دينهم وهي الصلاة حتى أصبحوا يقيمونها في الشعاب والأودية خوفا من سخرية المشركين وبطشهم ومع ذلك لم يتركوا الصلاة فكيف بالمسلمين الذي أقيمت لهم المساجد العامرة بالمصلين المزودة بكل وسائل الراحة والنشاط ومع ذلك يهجرها طائفة من المسلمين زهدا فيها وإيثارا لمتاع الدنيا ولهوها . وهذا أمر عجيب يدل على البون الشاسع بين مستوى إيمان الصحابة رضي الله عنهم وإيمان من جاء بعدهم والتفوق الواضح للصحابة في مجال الفهم والتطبيق . (د. عبد العزيز الحميدي) في خبر سعد بن أبي وقاص دليل على مستوى العزة التي ارتفع إليها المسلمون آنذاك بالغرم مع ضعفهم وقلتهم حيث قام أولئك النفر بمدافعة من داهمهم من المشركين ولم يستخذوا لهم وفي ذلك إعزاز ظاهر للإسلام وتثبيت لوجوده على الأرض . (د. عبد العزيز الحميدي) أن أعداء الله في كل زمان ومكان يلجئون إلى استخدام سلاح محاربة الدعاة في أرزاقهم ليستكينوا ويرجعوا عما يدعونه إليه وهو أسلوب يتفق عليه المشركون والمنافقون ولو كان المسلمون الأوائل موظفين أو مستخدمين في دولة تخالف فيما يدعون إليه للجأت تلك الدولة إلى فصلهم من أعمالهم كوسيلة من وسائل الحرب التي تتخذها ضدهم ولكن الوسيلة المتاحة في ذلك الوقت في هذا الميدان كانت المقاطعة بتلك الكيفية التي وقفنا عليها وعلى الدعاة أن يعوا هذه الحقيقة بأبعادها المختلفة . (د. مهدي رزق الله أحمد ) لا تكاد تخلو جاهلية من الجاهليات القديمة أو الحديثة من قيم يمكن الاستفادة منها فقد ضحى بنو هاشم تضحيات كبيرة في سبيل قيمهم الجاهلية الخاصة بحماية القريب واستفاد الإسلام من هذه التضحيات . وإذا وجدت قيم في مجتمعاتنا المعاصرة مثل قوانين حقوق الإنسان أو اللجوء السياسي أو الحرية الفكرية فلا ضير في الاستفادة منها كما استفاد المسلمون الأوائل من مؤازرة بني هاشم لهم في حصار الشعب . (د. مهدي رزق الله أحمد)

علِّق

comments powered by Disqus