• الأحد 09 رجب 1434 هـ - 19 مايو 2013 - 07:53 مساء

الحمـد والثنـاء على الله

دلت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم المنقول فيها خطبه على أنه كان يبدأ الخطبة بالحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، فمن ذلك: عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما- قال: (كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك وقد علا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم (بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى) (رواه مسلم في الصحيح (٧٦٧) في الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة، والنسائي (٣١٨٨-١٨٩) في العيدين باب كيف الخطبة، وابن ماجة في السنن ١١٧ وابن خزيمة في الصحيح ٣١٤٣. وفي لفظ عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس، ويحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وخير الحديث كتاب الله) (رواه مسلم (٨٦٨) في الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة. وما روي عن الحكم بن حزن الكلفي قال: (وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة أو تاسع تسعة، فدخلت عليه، فقلت: يا رسول الله، زرناك فادع لنا بخير، فأمر بنا أو أمر لنا بشيء من التمر والشأن إذ ذاك دون، فأقمنا بها أياما شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام متوكئا على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: (أيها الناس إنكم لن تطيقوا، أو لن تفعلوا كل ما أمرتم به، ولكن سددوا وأبشروا) (رواه أبو داود ١٢٨٧ رقم ١٠٩٦، كتاب الصلاة، باب الرجل يخطب على قوس. وقد كان الواصفون لخطبة الرسول صلى الله عليه وسلم يذكرون سياق الخطبة بقولهم: ثم قال بعد الحمد لله والثناء. وقد ساق البخاري جملة من تلك الأحاديث في صحيحه: كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد فذكر حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما- في ذكر الكسوف قالت: (فخطب الناس وحمد الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد... الحديث (رواه البخاري كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء، أما بعد (٤٠٢). وذكر حديث عمرو بن تغلب في قصة المال الذي وزع على الناس فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم رجالا وترك رجالا فبلغه أن الذين ترك عتبوا، قال: (فحمد الله ثم أثنى عليه ثم ساق الحديث) ، وذكر أحاديث أخرى في خطبه عليه الصلاة والسلام تدل على أنه لم يترك التحميد والتهليل والثناء على الله عز وجل بما هو أهله صدر كل خطبة من خطبة الجمعة وغيرها. (انظر هذه الأحاديث في البخاري كتاب الجمعة باب من قال في الخطبة بعد الثناء، أما بعد (٤٠٢). بل إن الأمر ورد بالحمد والثناء في الخطبة فقال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أبتر). (الحديث رواه أبو داود باب الهدى في الكلام من كتاب الأدب (٢٥٦٠) بلفظ أجذم وابن ماجة في كتاب النكاح باب في خطبة النكاح (١١٦٠) وأحمد في المسند (٢٢٥٩). وفي رواية (أقطع) وفي رواية (أجذم) وفي الحديث (كل خطبة ليس فيها شهادة كاليد الجذماء). (أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢٣٠٢) تحقيق أحمد شاكر وأبو داود ١٣١٨٥ مع عون المعبود والبخاري في التاريخ الكبير ٤٢٢٩ وابن حبان في موارد الظمآن ص١٥٢،٤٨٩ والترمذي في سننه ٢١٧٩ وقال حديث حسن غريب والبيهقي في السنن ٣٢٠٩. وهذه الأحاديث دالة على مشروعية الحمد والثناء والتشهد، ولكن العلماء اختلفوا في درجة هذه المشروعية. ففي المذهب الحنفي: يختلف القول في ذلك. فعند الإمام أبي حنيفة الحمد سنة فلو حمد أو هلل أو سبح كفاه ذلك وأما عند أبي يوسف ومحمد فالتحميد واجب . (ينظر السرخسي، المبسوط ٢٣٠، والزيلعي، تبيين الحقائق ١٢٢٠). ففي المبسوط : (وإذا خطب بتسبيحة واحدة أو بتهليل أو بتحميد أجزاه في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله تعالى : - لا يجزئه حتى يكون كلاما يسمى خطبة) (السرخسي، المبسوط ٢٣٠). ، وفي تبيين الحقائق (وقال أبو يوسف ومحمد لابد من ذكر طويل يسمى خطبة، وأقله قدر التشهد إلى قوله عبده ورسوله يثني بها على الله تعالى ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو للمسلمين) (الزيلعي، تبين الحقائق ١٢٢٠). وعند المالكية : يختلف القول أيضا، فالمشهور من المذهب أنه مندوب، ففي حاشية الدسوقي: (وعلى المشهور فكل من الحمد والصلاة على النبي والقرآن مستحب) (الدسوقي ، الحاشية ١٣٧٨). وقال بعضهم إنه شرط لصحة الخطبة فقد نقل في حاشية الدسوقي عن بعض العلماء المالكية قولهم: ( أقل الخطبة حمد الله والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وتحذير وتبشير وقرآن) وقال: (إن ذلك مقابل المشهور في المذهب وهو القول بأن الحمد مندوب) . (الدسوقي، الحاشية ١٣٧٨، وينظر أيضا الدردير، الشرح الصغير ١٤٩٩، والحطاب، مواهب الجليل ٢١٦٥ ومحمد عليش، شرح منح الجليل ١٢٠٦ ٢٦١. وجعل الشافعية التحميد ركنا، وبعضهم يسميه فرضا. ففي المهذب : وفرضها أربعة أشياء أحدها: أن يحمد الله تعالى ... (نقلا عن النووي، المجموع، ٤٥١٦) . وفي روضة الطالبين : وأركان الخطبة خمسة أحدها: حمد الله تعالى، ويتعين لفظ الحمد (النووي ، روضة الطالبين ٢٢٤، وينظر أيضا الرملي نهاية المحتاج ٢٣٠٠ والشربيني، مغني المحتاج ١٢٨٥). ومنهم من قال إنه شرط لصحة الخطبة وهو قول الحنابلة (ينظر ابن قدامة، المغني ٣١٧٣ والمرادوي، والإنصاف ٢٣٨٧، وابن المفلح، المبدع ٢٢٨٥). ففي كشاف القناع: ومن شرط صحة كل منهما أي الخطبتين ... (حمد الله) بلفظ الحمد لله فلا يجزئ غيره لحديث أبي هريرة مرفوعا (كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم) رواه أبو داود، ورواه جماعة مرسلا وروى أبو داود عن ابن مسعود قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تشهد قال: الحمد لله) . (البهوتي، كشاف القناع، ٢٣٢). وظاهر من هذه الأقوال أنه ليس أحد من العلماء إلا ويجد التحميد وما يتبعه من التشهد مشروعا في الخطبة وإن كانوا اختلفوا في درجة المشروعية. وإما صيغة الحمد فقد أوجب العلماء صيغة الحمد دون غيرها من صيغ التعظيم والثناء ففي مغني المحتاج : ولفظهما أي الحمد والصلاة متعين للاتباع، ولأنه الذي مضى عليه الناس في عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا، فلا يجزيء الشكر والثناء، ولا إله إلا الله، ولا العظمة والجلال والمدح ونحو ذلك، ولا يتعين لفظ الحمد بل يجزئه بحمد الله أو أحمد الله أو لله الحمد أو الله أحمد (الشربيني، مغني المحتاج ١٢٨٥). وفي الإنصاف : ومن شرط صحتهما حمد الله بلا نزاع فيقول: الحمد لله بهذا اللفظ قطع به الأصحاب منهم المجد في شرحه وابن تيمية وابن حمدان وغيرهم، قال في النكت: لم أجد فيه خلافا (المرداوي ، الإنصاف ٢٢٨٧).
view counter