لطالما يرتبط الإنسان بالمكان الذي يسكنه ويلقي عليه ظلاله ويطلق فيه عصافير روحه وغيوم خيالاته لتسرح في الفضاء الرحيب، ولكنه عندما يرحل عن ذياك المكان المشبع بأنفاسه يترك أشباحا لتعبث بالأطلال وأحجار الموقد وتبعثر التراب في عيون كل من يمر بالطلل. وهذا الشاعر ابن ميادة يرثي واصفا الربع الذي كان عامرا بالأحبة وكيف أصبح بعد ما هجروه. ويطلب من كل من تسوقه الدرب أن يلقي التحية على الرسم المستعجم الذي عبثت به يد الزمان وغير معالمه مرور الوقت، والذي يذكر الشاعر كلما زاره بأيام الوصل ويترك منظره في قلب الشاعر حسرة تحرك جمرة الذكريات الكامنة في قرارات الروح.
ثم يطلب الشاعر من خليليه أن يسألا عن أخبار حبيبته ومن أي الجهات مر ركبها وفي أي أرض استقر بها المقام. ثم يخبرهم عن أسماء مواضع يتوقع أن تكون قد مرت بها ويخشى أن تكون تجاوزت منطقة بصرى إلى حمى يصعب الوصول إليها. ثم يصعد من وتيرة خزنه على فراق أم جحدر، ويصف ضيق صدره ونفاذ صبره، ويقول لو أن وصالها يفدى بنذر لبذلت روحي رخيصة في سبيل لقياها، ويختتم الشاعر قصيدته بالأمنيات حيث يتخيل شكل الوادي الذي قد يجمع أهليها فيصبح روضة خضراء تعبره الريح المحملة بعبير الخزامى وحبات الطل. والقصيدة للشاعر الرماح بن أبرد الذبياني ابن ميادة وهي أمه، وأشتهر نسبه إليها، وهو شاعر رقيق الهجاء من مخضرمي الدولة الأموية والعباسية وقد كان متعرضا للشر طالبا لمهاجاة الشعراء ومسابة الناس. ومنهم من يرى أنه أشعر غطفان في الجاهلية والإسلام وأنه كان خيرا لقومه من النابغة. وقد أفرد الزبير بن بكار أخباره في كتاب.
والقصيدة من البحر الطويل.
ابن ميادة
ألا حييا رسما بذي العش مقفرا
وربعا بذي الممدور مستعجما قفرا
أضربـه حتى تنكـر عهـده
حراجف يسفرن الرغام بها سفرا
فذا العش أسقيت الغمام ولا يزل
ترود بك الآجــال مغلولبا نضرا
فأعجب دار دارها غيــر أنني
إذا ما أتيت الدار ترجعني صفـرا
ألا لا تعد لي لوعة مثل لوعتـي
عليك بأدمى والهوى يرجع الذكرا
عشية أثني بالرداء على الحشــى
كأن الحشى من دونه أسعرت جمرا
يميل بنا شحط النوى ثم نلتقــي
عداد الثريا صادفت ليلة بــدرا
خليلي من غيظ بـن مرة بلغــا
رسائل منـي لا تزيدكما وقــرا
ومرا على تيماء نسـأل يهودهـا
فإن لدى تيماء من ركبها خبــرا
وبالغمر قد جازت وجــاز مطيها
فأسقى الغوادي بطـن نيان فالغمـرا
فلما رأت أن قـد قـربن أباتـرا
عواسف سهب تاركات بنا ثجــرا
أثار لها شحط الديار وحمحمــت
أمورا وحاجات نضيق بها صـدرا
إذا جاوزت بصري تقطع وصلها
وأغلق بوابان من دونها قصــرا
فلا وصل إلا أن تقارب بيننــا
قلائص يجسـرن الفلاة بنا جسـرا
غريرية الأنساب أو ما طليــة
تنازع أيدي القوم ملوية سمـــرا
إذا ركدت شمس النهار ووضعت
طنافسها ولينها الأعيـن الخــزرا
ألا ليت شعري هل إلى أم جحدر
سبيل فأما الصبر عنها فـلا صــبرا
ولو كان نذر مدنيا أم حجــدر
إلي لقد أوذمت في عنقي نــذرا
ألا لا تلطي الستر يا أم جحدر
كفى بذرا الأعلم من دوننا ستــرا
لعمري لئن أمسيت يا أم جحدر
نأيت فقد أبليت في طلب عــذرا
وإني لأستنشي الحديث من أجلها
لأسمع عنها وهي نازحــة ذكــرا
وإني لأستحيي من الله أن أرى
إذا غدر الخلان أنوي لهــا غــدرا
تفاقد قومي إذ يبيعـون مهجتي
بجارية بهرا لهــم بعدها بهـــرا
ألا ليت شعري هل يحلــن أهلنا
وأهلك روضات ببطن اللوى خضـرا
وهل تطرقن الريح تدرج موهنــا
برياك تعروري بها الجــرع العفـرا
بريح خزامى الرمل بــات معانقا
فـروع الأقاحي تنضب الطل والقطرا