القصة الكاملة لانتشار آثار القمار السلبية في العالمين العربي والغربي

المال هو الهدف، وفي سبيله يمكن فتح كل النوافذ المظلمة والأبواب العفنة، والمال هو الإله الذي تعبده أمريكا اليوم، وفي حضرته تذبح كل القرابين وتضحي بكل المبادئ، حتى لو كان مالا قذرا كمال القمار. المهم هو أن تمتلئ الجيوب والأرصدة بالأموال ولا يهم إذا كان هذا المال يدمر أسرا ويجلب عارا، لأن بريق ذهب الميسر ذهب بعقول القوم. بهذه الشهادة قدم جاري بور مدير معهد أبحاث العائلة الأمريكي، لتلك الحمى التي تجتاح الولايات المتحدة اليوم بحثا عن المال السهل الآتي من صالات ومكائن القمار. الظاهرة أصبحت وحشا يفتك بالأفراد والمجتمعات التي رحبت بإقامة هذا الغول بين ظهرانيها. كيف انتشرت هذه الظاهرة حتى أصبحت كالوباء، ومن يقف وراءها؟ وما هي مظاهرها التعسة القاتلة؟ وماذا جلبت صناعة الميسر للمجتمعات والأفراد الذين قبلوا بها؟، وكيف قامت تلك المجتمعات بمحاربة هذه الظاهرة بعد أن أصبحت خطرا شاملا، ولماذا تفتح نوافذ الشر في مجتمعات مسلمة لهذا المرض القاتل في الوقت الذي تقفل أبوابه في أمريكا والعالم؟ أسئلة يجيب عن بعضها هذا التحقيق. في عقد الثمانينيات والتسعينيات انتشر القمار والميسر بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية بسبب إقرار الحكومات لقوانين تجعل من ممارسة القمار أمرا مشروعا، بعد أن حاربته الأديان والشرائع لقرون . يقول إدوارد والش:رأت الحكومات المحلية والحكومة المركزية في واشنطن في أموال القمار إغراء لا يقاوم. وهي الجائعة إلى المال. فرأينا تشريعات إباحة القمار تنتشر في كثير من الولايات المحافظة منها والفقيرة كولاية: الميسسبي الجنوبية، والغنية كالولايات الشمالية وانطلقت حركة القمار بقوة وجنون تنتشر في أرجاء الولايات المتحدة متخذة من مدينتي اتلانتك سيتي ولاس فيجاس عواصم ونقاط ارتكاز ينطلق منها المال والرجال إلى كل الولايات المنضمة إلى حزب القمار أو الدول التي فتحت الباب للمال الأمريكي المستثمر في هذه الصناعة. في عام 1994 زاد حجم المراهنات والقمار حتى بلغت الأموال المنفقة في تلك الصناعة المدمرة 489 بليون دولار أمريكي عام 1995 بعد أن كانت 17 بليونا عام 1976، كان نصيب ملاهي القمار أو الكازينوهات كما تعرف CASINO 85? من إجمالي المبالغ المعروفة. وبعد أن كان عدد الولايات المسموح لها بتعاطي هذه الصناعة لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، أصبحت الولايات المرخصة للقمار 27 ولاية معظمها أدخل القمار في الفترة من عام 1989- 1994 . توقفت بعد ذلك الولايات عن إعطاء تصاريح جديدة للقمار، وربما يثار تساؤل لماذا؟ يجيب جيمس كروس وهو أمريكي يقيم في كرثيس فيل وهي بلدة صغيرة هادئة تقع في العمق الأمريكي، تصورت أن صناعة القمار يمكن أن تنعش الاقتصاد وتجلب الزوار إليها. لكن جيمس يقول بعد أن ذاق طعم التجربة المرة: القمار مغامرة خاسرة ابتداء لأن كل من يتوجه إلى تلك الصالات الصاخبة يعتقد أنه سيربح، مقابل عشرات الدولارات سيجني آلافا، بل مئات الألوف، إنه جنة الحمقى حيث يعدهم شياطين القمار أنهم سيربحون شيئا مقابل خسارتهم للاشيء، والأرقام المعلنة تثبت أنه مقابل كل دولار يكسب هنا، يخسر المقامرون 9 دولارات،مما ساهم في شيوع الإفلاس والطلاق والفاحشة المرتبطة بهذه الصناعة التي دمرت مجتمع البلدة الصغيرة. هذه الصحوة من آثار القمار المدمرة انتقلت بسرعة في كل المدن الكبرى والولايات، ثم على مستوى العالم حيث اكتشفت الحكومات والأفراد أنه بالرغم من المال السهل الآتي من القمار فإن آثاره المدمرة تفوق ما يأتي منه من أرباح. تقول الإحصاءات إن هناك 3 ملايين أمريكي يعانون القمار المرضي وهو مصطلح يعني تلازم القمار بتدمير الذات، والهوس بالقمار لدرجة فقدان الوظيفة والبيت، وقبل ذلك الفقر. ويرشح هذا الرقم للزيادة ليصل إلى 5 ملايين مقامر مرضي في غضون عامين. وقد بينت دراسة أعدتها جامعة هارفارد برئاسة هوارد شيفر أن أعراض القمار المرضي تتراوح بين الاكتئاب والتوتر الشديدين وفقدان القدرة على النوم، وهذا يؤدي إلى الانتحار أو الهروب من الواقع القاسي إلى عالم المخدرات وفقدان التواصل. ودراسة أخرى صدرت في كندا أثبتت أن إدمان القمار هو المصطلح الحقيقي لهذه الفئة التي يزداد عددها كلما ازداد نشاط صالات القمار. وتشير هذه الدراسة إلى أن 10.3? من الأمريكيين مصابون بإدمان القمار المدمر و6.7? بالقمار المرضي الأقل وطأة، لكنهم لم يهربوا من عالمهم الواقعي بالكلية، لكن آخرين كهنري ليسر مدير معهد أبحاث مشكلات القمار يرى أن الرقم الحقيقي قد يصل إلى 14? من مجموع الشعب الأمريكي، ويرى أن التشريعات الحكومية التي سمحت للقمار بأن ينتشر ساهمت في زيادة هذا الوباء، لأن القمار ظل لقرون مستهجنا اجتماعيا ومحرما، وبمجرد السماح به بدأنا نرى الضحايا يتزايدون للضعف خلال سنوات، وهم مرشحون للتضاعف مرة أخرى قبل عام 2003 م. هذه الصيحات المستنكرة لانتشار هذا الطاعون بدأت تقوى بعد أن أصبح القمار أحد أهم الأمراض الاجتماعية التي يتداعى لحربها السياسيون والمفكرون ووسائل الإعلام، بل إن أكثر من خمس ولايات أجرت استفتاءات عامة لمنع هذا المرض من الانتشار في أرجائها ،كما فعلت ولاية الميسسبي وفيرجينيا وميتشجن حيث اتحدت الكنائس والمدارس في حملة شعبية ضد القمار، وتعتبر مدينة ديترويت من أشد المناطق حزما في قوانين السماح للقمار بعدما أضحت ولايات مجاورة مثقلة بأمراض القمار وعاهاته. ضمن فعاليات هذه الحملة بدأت الكنائس والمعاهد والجامعات في رفض أموال اليانصيب الوطني لأنه أحد أشكال القمار المصرح به، ووصلت العدوى إلى بريطانيا حيث رفضت كنيسة اسكوتلندا المنح الممنوحة من اليانصيب الوطني لأنها أموال مكتسبة من طرق محرمة. هكذا بدأ.. هكذا صار إذا كان الميسر أو القمار قد عرف بطرائق مختلفة وبدائية منذ أقدم العصور فإن إشاعته ونقله إلى أساليب شيطانية ماكرة وجذابة تعتبر صناعة غربية ولا شك، فإذا كان الرهان على الخيل ومن خلال النرد وألعاب الورق شائعا بصور مختلفة، فإن صناعة الكازينو بدأت في القرن السابع عشر الميلادي في أوروبا، وانتشرت مع مطلع هذا القرن على مستوى العالم، خصوصا في المنتجعات السياحية حيث تقدم للسياح المغامرين على أنها صورة من صور الترفيه. في الولايات المتحدة الأمريكية تركزت هذه الصناعة في ولايتي نيفادا ونيوجرسي، وفي روسيا عادت هذه العادة إلى السطح وسمح بممارستها من جديد بعد سقوط الشيوعية، ودعمت حكومة يلتسين نشاط هذه الأوكار، وهي في الوقت نفسه أحد أبرز واجهات غسيل أموال المخدرات ونشاطات زعماء المافيا الروسية. ويعتبر الصينيون من أكثر شعوب الأرض تعلقا بالرهان والمقامرة، فهم يقامرون على كل شيء ابتداء من جنس المولود وحتى درجة الحرارة!، وبالرغم من أن الحكومة الصينية تعتبر القمار جريمة لا تغتفر، إلا أنها تسمح بممارسته في مقاطعاتها الساحلية التجارية وتغض الطرف عن أوكار القمار في هونج كونج وميكاو. وتسعى الحكومة الصينية إلى تنظيم يانصيب وطني بالتعاون مع شركة فرنسية حيث يتوقع أن تصبح الصين أحد أهم معاقل القمار في العالم خلال سنوات، وربما تتفوق على روسيا التي يبلغ عدد الكازينوهات المرخصة بها 286 حسب إحصائية عام 1994 . غالبا ما تتحد المافيا مع نشاط القمار كما هو حاصل في جزيرة تايوان التي يحظر فيها القمار واليانصيب، لكن المافيا التايوانية تدير شبكة تقدر عائداتها بأكثر من 50 بليون دولار أمريكي، وتقوم هذه المافيا بإعلان نتائجها عبر رشوة مسؤولي التلفزيون الحكومي حيث تقدم في السابعة من كل مساء أسعار الأسماك وهو برنامج يستخدم أسماء الأسماك، ثم الأرقام الفائزة كأسعار السوق مع أن كل تايواني يعرف أنها واجهة للنشاط الإجرامي للمافيا التايوانية. وقد كانت بريطانيا آخر الدول التي تسمح لليانصيب بالتداول الرسمي، رغم أنها تعتبر من أكثر الدول معاناة من السلوك المرضي للقمار، حيث يقامر البريطانيون بانتظام على سباقات الخيل والدوري، ويعاني 60? من البالغين في بريطانيا من تعلقهم الشديد بالمقامرة. وخلال العام الأول من السماح لليانصيب أنفق البريطانيون عليه 5 بلايين جنيه إسترليني، وهو مبلغ يفوق ما أنفقوه على الخبز والكتب في العام نفسه، وهذا ما دفع دافيد ماكاي الخبير البريطاني للقول إن نشاط القمار المدمر اقتصاديا قد ساهم في انخفاض النشاط البريطاني بنسبة 10.5? في عام 93 . وتعتبر جنوب أفريقيا من أكثر دول العالم مرضا بالقمار حيث استلمت حكومة مانديلا الحكم وقد رخص لألف ومائتي كازينو و40.000 محل للقمار، ومعظم مرتاديها من السود الذين لا يجدون الخبز لأطفالهم، لكنهم يستدينون المال لممارسة عادة القمار المخزية! أما في الولايات المتحدة فينفق الأمريكيون مبالغ هائلة على أنواع الرهان المختلفة ويخسرون39 بليون دولار سنويا في رهانهم الخاسر فقط، وينفقون في الكازينوهات 156 بليون دولار، وقد سمحت السلطات للهنود الحمر بإقامة أوكار القمار في أراضيهم بزعم أنهم يتمتعون بالسيادة عليها، فازداد انغماس الهنود الحمر في هذا النشاط المدمر حيث أنشأوا ما يزيد على 150 كازينو للقمار في 23 ولاية، وأصبحت القبائل الهندية تتسابق في سبيل الحصول على مزيد من الدخل حتى لو كان ذلك على حساب أوضاعهم الاجتماعية والسياسية البائسة أصلا. وتنافس حكومات الولايات الأفراد ولاسيما الهنود الحمر في الرهان بتذاكر اليانصيب الوطني الذي تبلغ عوائده أكثر من 30 بليون دولار أمريكي، وتتفنن سائر الحكومات الغربية في جذب أموال المواطنين التي تنفق على هذا اللون من الميسر خصوصا أن حجم الإنفاق يزيد على 100 بليون دولار سنويا، وهذا الرقم يزيد على الأموال اللازمة لمكافحة أهم 10 أمراض وبائية في الدول النامية وإيجاد مليون فرصة عمل للفقراء والعوائل المعوزة. الشيطان يعظ يدافع ملاك هذه التجارة الساقطة عن جرائمهم بحجة أنها تسلية، أو أنها ذات مردود اقتصادي واستثماري نافع. وقد يستشهدون بالوظائف التي يجلبها القمار للمناطق التي يستوطن فيها . والحقيقة أن القمار أو الميسر لا يستوطن سوى في أقل المناطق إنتاجا وتحضرا. فالمدن الكبرى كنيويورك ولوس أنجلوس وشيكاغو ترفض السماح لهذا النشاط أن يلعب دورا اقتصاديا بسبب ما يرافقه من شرور، فتكاليف حماية المجتمع من شرور القمار وآثاره الجانبية باهظة، كما يقول توم جراي ، ويضيف: لذا نجد أن هناك مقاومة عنيفة لهذا الشيطان في أن يستوطن ولايات أخرى. أما كلارك كومنمان المراسل الصحفي في ولايات أيوا فيقول: إن الأرقام المسيلة للعاب التي يطلقها عرابو القمار غير صحيحة، فقد تحدثت دراسات عن عوائد تبلغ 76 مليون دولار جراء إقامة صالة ضخمة للقمار في مدينة داجبرت، ثم ثبت أن المبلغ لا يزيد على 20 مليون دولار بعد سنتين من الخسائر دون حساب الآثار الاجتماعية والاقتصادية السلبية التي خلفها القمار على المدينة الخاسرة مرتين.. مرة في رهانها على القمار ومرة في ارتفاع نسبة العوائل المحطمة على طاولات الرهان! ارتبط الرهان والقمار بالدعارة وذلك لجلب المقامرين لهذه الواحات والمنتجعات، ولا يكاد يخلو وكر من هذه الأوكار من أن توظف المرأة فيه كخادمة أو نادلة أو مضيفة، واكتسب العديد من المدن الأمريكية صورة سلبية من ارتباط هذا النوع القذر من التجارة بالمتاجرة بالأعراض. ربما كان المثال الروسي صارخا بما فيه الكفاية، حيث ارتبطت كازينوهات القمار خلال السنين القليلة الماضية بمافيا الرذيلة حتى صعب التفريق بين الاثنين. وفي المستوطنات الهندية الجديدة في أمريكا شاع الزنا والرذيلة بعد أن كثر استجلاب البغايا حتى تكتمل التسهيلات اللازمة للترفيه عن الزبائن. الأمر نفسه تشير إليه التقارير المنشورة حول كازينو أريحا حيث استقدمت إدارة الملهى يونانيات للقيام بواجب الضيافة الخسيسة.. وفي سبيل الحصول على المال تصبح الجريمة الوسيلة الوحيدة للتعامل بين زعماء العصابات الراعية لهذه الأوكار، وتراوحت عمليات القتل بين 15 قتيلا إلى 35 قتيلا لكل مليون نسمة وهي من أعلى النسب على وجه الأرض.. وأصبح العثور على جثث مديري وملاك هذه الأوكار حديثا لا يثير الاهتمام.. بل وصل الأمر إلى أن يصفى رئيس حكومة إقليم ميكاو بعد صراع بين رجال الحكومة المرتبطين بأندية القمار ورجال المافيا. لقد أصبح الفصل بين رجال السياسة ورجال العصابات صعبا بعد أن استطاعت المافيا أن ترشو عشرات السياسيين لضمان بقاء أندية القمار ودعمها سياسيا. وتوضح قائمة نشرت مؤخرا أن أندية القمار وملاكها- وهم موضع مئات الشبهات- تبرعوا علنا في سنتين فقط بما يزيد على 3 ملايين دولار للحزبين الجمهوري والديمقراطي، ونشرت قائمة لرجال الكونجرس والمبالغ التي صرفت على حملاتهم الانتخابية المعلنة، وضمن القائمة 24 شخصية من رجالات الكونجرس تراوحت التبرعات الممنوحة لهم من أصحاب الكازينوهات بين 496 ألف دولار و700.000 دولار. ويركز كافة الباحثين والسلطات حاليا على العلاقة بين انتشار المخدرات وأندية القمار، حيث أصبحت هذه النوادي أوكارا لتعاطي أنواع المخدرات لاسيما الهروين والكوكايين اللذان يتم تقديمهما لخدمة كبار العملاء. ونظرا لارتفاع سعرهما وتوفرهما بكثرة في هذه الأندية فقد شهدت العديد من الولايات حالات وفيات مفاجئة بين أوساط المترددين عليها. الطريق إلى الإفلاس وتلقى أندية القمار حاليا معارضة من عدد غير متوقع يتمثل في أنصار كرة القدم حيث ثبت تورط مافيا القمار في عمليات غش وخداع خلال مباريات الدوري في دول شرق آسيا، أو خلال مباريات كأس العالم، حيث يتلاعب أصحاب المصالح ومافيا القمار مع اللاعبين والحكام لتأتي النتائج على غير المتوقع، مما يعني خسارة المراهنين أموالهم وجني أرباح طائلة تذهب لملاك هذه الصناعة الملعونة. من جهة أخرى يعتبر القمار السبب الأول لإعلان الإفلاس وتدمير الودائع الشخصية في أمريكا، وقد أظهرت دراسة أجرتها للكونجرس مجموعة إس. إم. آر. إلي وجود علاقة واضحة بين الترخيص للقمار في 289 منطقة ومحافظة أمريكية وبين إعلان حالات الإفلاس والإعسار فيها. وقالت الدراسة إن القمار هو السبب الأول للإفلاس اليوم، ووجدت الدراسة أنه في حالة وجود ناد للقمار في المنطقة فإن حالات الإفلاس تزيد بنسبة 18? على مثيلاتها، أما في حالة وجود نواد فإن النسبة تزيد على 23?. أما الخبر الآخر الذي تلقاه الكونجرس صيف هذا العام، هو أن حالات إفلاس الأفراد زادت بالرغم من الازدهار الذي شهده الاقتصاد الأمريكي في الفترة نفسها. وقد سجلت حالات الإفلاس زيادة خيالية وصلت إلى 376 ألف حالة إفلاس مشهرة للربع الثاني من العام بزيادة نسبتها 24?. أما إجمالي حالات الإفلاس فزاد على 1.300.000 حالة إفلاس، وهو رقم قياسي. وقد أظهرت الإحصائيات أن مدينتي أتلانتك سيتي ولاس فيجاس تأتيان في مقدمة المدن من حيث حالات الإفلاس وإشهار حالات الإعسار. ويخشى المراقبون الأثر السيىء للقمار على الشباب الأمريكي، الذي أخذ أرباب القمار في غزوه والتركيز عليه، خصوصا أن الشباب لا يعي مخاطر هذا الطاعون أو آثاره القاتلة، ويرى إدوارد رولي أن الخميرة الناشئة عن زرع عادة القمار بين الشباب ستفرز قريبا وباء يصعب حصاره. الشباب في المرحلة الثانوية يتعلم الرهان من خلال لعب الورق أو شراء ورق اليانصيب وإذا أتيحت له الفرصة ارتاد أندية القمار المخصصة للكبار. وترى إليزابيث جورج مديرة معهد تدريب الشباب في مانيسوتا أن الآباء يعرفون مخاطر التدخين والكحول والمخدرات.... لكنهم لا يعرفون مخاطر القمار الذي يؤدي إليها جميعا ولاسيما في فئات المراهقين خصوصا إذا عرف أن 18? من المقامرين هم دون الثامنة عشرة من العمر. تظهر آثار القمار واضحة بين مواطني أمريكا من أصول هندية أي السكان الاصليين الذين آمن أجدادهم برواية عن أحد ناشطيهم وهو خوسيه لوكر تقول إن الرجل الأبيض سيأتي لأمريكا بما يبيدهم معنويا بعدما حصدهم عسكريا . سيأتي بقارورة خمر وكتاب مجلد إنجيل وموسيقا صادحة ومجموعة أوراق للعب القمار.. ويضيف في مدة وجيزة غزانا الرجل الأبيض بالوسائل الثلاث الدنيا حتى استعبدنا.. ونحن اليوم نمارس وسيلته الرابعة- القمار - في حمى مجنونة من البحث عن السعادة والمال. ومنذ عام 1988 حينما أجاز الكونجرس قانون المحميات الهندية التي لها الحق في إقامة أندية القمار، ظهرت نتائج هذا القانون في أقل من عقد من الزمن على هذه الفئة المضطهدة، حيث تبلغ نسبة البطالة ضعف معدلها في المناطق الموبوءة بالقمار وازداد اضطهاد الأطفال إلى الضعف بين الهنود الحمر، ويشعر 31? من أطفالهم بأنهم أيتام رغم وجود آبائهم، وزادت معدلات انتشار الكحول والمخدرات والقمار بين شبابهم، بنسبة تتجاوز ضعف النسبة القومية، وزاد معدل الانتحار والاكتئاب الشديد، وظهرت زيادة في الجرائم الكبرى حتى إن 13? من كبار المجرمين مقامرون خسروا كل شيء في الحياة، وليس لديهم ما يخسرونه حتى لو قاموا بأعظم الموبقات والجرائم. هـذا الطاعـون القاتـل وآثـاره المـدمرة جـعل مواجهته أمـرا محتما، فتداعـى قادة الرأي والمفكرون لمحاربته فـي أمـريكا.. ولإغلاق الباب في وجـه الندوب والدمامل التي أفرزها في الجسد الأمريكي والدولي... وهذا ما سنتناوله في العدد القادم بإذن الله. القـمــــــار في العالم الإسلامي حتى عام 1993م، كان في مصر 14 ناديا للقمار، تمارس نشاطها بمنتهى الانفلات، في أشهر المواقع السياحية، وأولها صالة عمر الخيام بفندق ماريوت، وصالة كازينو فندق مينا هاوس، وهما من أجمل فنادق مصر وأفخمها، أنشأهما الخديوي إسماعيل للاحتفال بافتتاح قناة السويس عام 1868م، ثم صالة بفندق رمسيس هيلتون. وفي السنوات الخمس الأخيرة، منحت وزارة السياحة ترخيصات لإنشاء 16 ناديا جديدا. وبهذا يكون إجمالي أندية القمار المعلنة 30 ناديا بالفنادق ذات الخمس نجوم، وتهدف الوزارة من وراء ذلك إلى تحصيل 50? من عوائد هذه الأندية حتى يتم الإنفاق منها على حملات تنشيط السياحة في مصر، ولتدبير مكافآت وحوافز كبار العاملين بالوزارة. إذ يتم تحصيل جزء من عوائد أندية القمار لصالح صندوق السياحة التابع للوزارة. وتبلغ حصيلة هذا الصندوق 30 مليون جنيه سنويا. وقد ازداد الإقبال على صالات القمار في مصر بعد إغلاق صالات القمار في تركيا العام الماضي، حيث ازداد دخول العاملين بصالات القمار المصرية بدءا من يوليو العام الماضي بنسبة 200? نظرا لازدياد العمولات التي وصلت إلى 300 ألف جنيه. ولكن -على الجانب الآخر- تشعر أندية القمار في مصر بالخطر بعد أن سمحت لبنان بإنشاء أندية للقمار، وبعد أن حولت إحدى الدول العربية جزيرة فيها إلى صالة قمار عالمية مرتبطة بمثيلاتها في لاس فيجاس عبر الأقمار الصناعية. وبعد ذلك أعلنت السلطة الفلسطينية فتح الأبواب أمام هذا النشاط. ولأول مرة، منذ عشرين عاما، ورغم هذه المنافسة، بدأت صالات القمار في مصر تشهد إقبالا متزايدا من العرب والأجانب، وهذا ما حدا بخمس صالات للاجتماع لوضع ما أسموه ميثاق شرف !! يلتزم به جميع الكازينوهات لوقف الصراعات فيما بينها لجذب الزبائن القدامى والجدد، ويشتمل ميثاق الشرف المقترح على: - توحيد الحد الأدنى للعب الذى يتراوح حاليا ما بين 200 و500 دولار، وهو ما يهدد بإفلاس الكازينوهات الصغيرة في أي وقت. - وقف الصراع الخفي بين الصالات الذي يتمثل في خطف الزبائن وإطلاق الشائعات. - تطوير أنواع اللعب وتحديثها حيث يوجد بمصر أربعة أنواع فقط (بوكر، روليت، بلاك جاك، بكراه)، وهذه هي الألعاب السائدة في مصر منذ 25 عاما. يتراوح معدل التداول بالدولار داخل الصالات المصرية بين 70 ألف دولار و250 ألف دولار. ويدير كل صالة مدير عام أجنبي ومسـاعد (مـدير مصري)، وتحصل الدولة عـلى نصف دخـل هذه الصالات قانونا. ويمتنع على المصريين دخول صالات القمار وفقا للقانون رقم 18 الصادر عام 1958م، وكذلك هم ممنوعون من مناصب الإدارة العليا لهذه الصالات. في حوارنا مع أحد المسؤولين عن أكبر صالات القمار في مصر، قال: الصالة تعمل طوال 24 ساعة، ويتم تسجيل اللعب بكاميرا قيمتها مليون دولار، ويتم الاحتفاظ بالشرائط التي تسجل اللعب لمدة أسبوع، ثم يتم مسحها، والكاميرا هي الشاهد الحكم إذا حدثت أية خلافات، ولمنع محاولات السرقة، أو الغش بين اللاعبين والعملاء!! ونسأله عن جنسيات اللاعبين في صالات القمار في مصر، فيقول: إن الأثرياء العرب هم النسبة الغالبة، والأوروبيون يكتفون بالمشاهدة، والآسيويون ليسوا مرغوبين لأنهم يمارسون اللعب بالغش والاحتيال. وعن حجم العائد يوميا، يقول: إن عائد لعب القمار يصل إلى 25 ألف دولار يوميا في الصالة التي يعمل بها. وفي صالة أخرى يقول المسؤول: إن أكثر الرواد الرجال من الأمريكيين والخليجيين، أما النساء فهن من سوريا ولبنان وتونس والمغرب، ويقول إن العوائد المالية تصل قمة الذروة في ليلة رأس السنة الميلادية. ففي ليلة رأس السنة عام 1996م، حققت صالة القمار بكازينو عمر الخيام في فندق ماريوت أرباحا قدرها 350 ألف دولار، وفي الليلة نفسها من عام 1997م، حققت أرباحا قدرها 430 ألف دولار. بينما وقفت عوائد صالة القمار في فندق مينا هاوس في الليلة نفسها عند حدود 44 ألف دولار. والسبب هو أن المقامرين العرب يفضلون ماريوت على مينا هاوس. ونسأله عن أشهر المكاسب والخسائر في دنيا المقامرين، فيقول: إن مقامرا عربيا خسر 900 ألف دولار في ليلة واحدة في صالة عمر الخيام في فندق ماريوت، وفي الليلة نفسها كسب مقامر عربي 100 ألف دولار. كل المحيطين بعالم القمار في القاهرة، لا ينسون ديسمبر عام 1993م، حين خسرت إحدى الشخصيات العربية المعروفة في الخليج 14 مليون دولار في صالة القمار بفندق رمسيس هيلتون، وقد جاءت الخسارة على مدى سبعة أيام بمعدل مليوني دولار في اليوم الواحد. وتشير آخر إحصاءات وزارة السياحة إلى الحقائق التالية: - يحقق كازينو عمر الخيام للقمار في فندق ماريوت من 19 إلى 20 مليون دولار أرباحا سنوية. -يحقق كازينو فندق سميراميس من 12 إلى 15 مليون دولار أرباحا سنوية. - يحقق كازينو فندق رمسيس هيلتون من 15 إلى 17 مليون دولار أرباحا سنوية. - يحقق كازينو هيلتون طابا من 7 إلى 10 ملايين دولار أرباحا سنوية. - يحقق كازينو النيل هيلتون 3.5 إلى 4 ملايين دولار أرباحا سنوية. - يحقق كازينو مينا هاوس مليون دولار أرباحا سنوية. - تبلغ حصيلة الدولة من 80 إلى 100 مليون دولار سنويا. شباب القمار وإذا كان صحيحا، أن المصريين ممنوعون من دخول صالات القمار في الفنادق الكبرى، إلا أن ذلك لا يعني أن ممارسات القمار غير موجودة في المجتمع المصري. فالظاهرة في انتشار متزايد، وما يزيدها خطورة، أنها -الآن- تنتشر بين الشباب من فتيان وفتيات، حيث يلعبون كلا من الكوتشينة والدومينو وزهرة النرد (الطاولة) على رهانات مادية قادت معظمهم إلى الدمار والفشل. فهذا الشاب أ. ع. س يقول: إنه بدأ القمار كنوع من أنشطة الترفيه والتسلية المجردة، ثم دخله إعجاب به زاده تعلقا به، حتى وصل الأمر إلى ابتزاز والديه للحصول على المال المطلوب، ولم يفق إلا في نهاية العام الدراسي حين ظهرت نتائج الامتحانات ووجد اسمه معلقا في لائحة الراسبين! إذا كان هذا الشاب قد خسر عامه الدراسي، فإن شابا ثانيا (أحمد...) قد خسر أصدقاءه، حيث دخلوا معا إلى عالم القمار، وبدأت المشاجرات تدب بينهم بسبب المكاسب والخسائر. أما الثالث فقد خسر دينه وعقله، حيث ارتبط لعب القمار لديه بإدمان المخدرات، فمن إدمان القمار يحصل على المال اللازم لإدمان المخدرات. وهذه (منال...) تقول إنها لجأت للقمار، وتخيلت في البداية أن لعب القمار ينمي الذكاء، ثم اكتشفت في نهاية الطريق أنه ينمي الدمار!، حيث قادها لعب القمار إلى رفيقات الرذيلة وطريق السوء!. وإذا أردت مؤشرا يدلك على انتشار هذه الظاهرة الخبيثة، فاقرأ صفحات الحوادث في الصحف المصرية لمدة شهر واحد ستجد العناوين التالية: خسر نقوده في القمار فحاول قتل صديقه، خسر نقوده. في القمار فاتهم صديقيه بسرقته، يشعل النار في زوجته بائعة الخضار لأنها منعته من لعب القمار بنقودها، عاطل وشقيقه يقتلان طالبا بسبب القمار، ضبط وكر للقمار تتردد عليه السيدات المسنات، ضبط أكبر شبكة للقمار يديرها طبيب مشهور، ضبط لواء متقاعد وخمسة رجال أعمال في وكر للقمار بمنزل أحد الأطباء، أشعل النار في زوجته ومنع أبناءها من إنقاذها لما حاولت منعه من لعب القمار في المنزل. خسر 600 جنيه في القمار فطعن صديقه حتى الموت، تجار المخدرات يلعبون القمار. المقامر.. فارغ والآن ماذا يقول علماء النفس والاجتماع في تحليل شخصية المقامر؟ القمار عادة سيئة تدل على الفساد الأخلاقي في شخصية المقامر، هكذا يتحدث الدكتور يسري عبدالمحسن أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة، ويضيف: المعروف والثابت أن لعب القمار أمر مكروه ومرفوض اجتماعيا ونفسيا، فمن يقبل عليه لديه عجز أكيد في التربية وتشوه واضح في السلوك، ولديه رغبة في الخروج على القواعد والأعراف الاجتماعية، وانتهاك الحدود الدينية، وهذا دليل على وجود نقص ما في شخصية المقامر، يذهب لتعويضه بالخروج على المجتمع. ويتدارك الدكتور يسري عبدالمحسن، ليقول إننا مسؤولون عن وقوع الشباب -بصفة خاصة- في براثن القمار، فالأب غائب، والأم عاجزة، والمدرسة لم تعد مؤسسة تربوية، والإعلام لا يقدم إلا القدوة السيئة. وهذا ما توافقه عليه الدكتورة عزة كريم أستاذة علم الاجتماع إذ تقول في تحليلها النفسي لشخصية المقامر: إنه شخص يشعر بفراغ ما أو نقص ما، قد يكون فراغا دينيا، وذلك بافتقاد الشخص للمقومات الأخلاقية الرادعة، أو فراغا عاطفيا وإنسانيا، أو فراغا مهنيا، أو يكون ثريا ثراء غير محكوم بضوابط أخلاقية فيندفع صاحبه لمثل هذه الممارسات بقصد اكتساب القوة والوجاهة من النوعية المحيطة به من البشر. وفي تحليلها لأسباب انتشار ألعاب القمار بين الطلبة والطالبات تقول: إن ذلك ناتج عن فراغ الشباب الذي لا يجيد استثمار الوقت. فأصبح يعاني الفراغ الذهني، حتى الجامعة نفسها لم تعد مكانا محببا لطلابها. وتحذر من الرحلات الشبابية البعيدة عن الرقابة، مؤكدة أنها البداية التي ينطلق الشباب منها لممارسات القمار، فهو يبدأ اللعب برهان على مشروب ثم على وجبة، ثم على نقود، ثم يدخل مرحلة الإدمان. وإذا كان القانون يحول دون ارتياد المصريين للثلاثين صالة الموجودة في الفنادق الكبرى، فإن الواقع يقول إن في مصر صالات قمار لا حصر لها.

علِّق

comments powered by Disqus