بر الأبناء بالآباء حق ووفاء

الاعتراف بالجميل مبدأ من مبادئ الإسلام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من آتى إليكم معروفا فكافئوه؛ فإن لم تجدوا فادعوا له. رواه الطبراني في الكبير. والوفاء في الإسلام له منزلة عليا وهو صفة من صفات المؤمنين المخلصين، وقد اهتم الإسلام بتربية خلة الوفاء في نفوس المسلمين من فجره الأول، يقول الله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون) النحل: 91. (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق) الرعد: 20. والبر بالوالدين مبدأ تطبيقي للاعتراف بالجميل، والوفاء بالحقوق، والعقود، والمواثيق؛ يقول الله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما). الإسراء: 23. يستجيش القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء نحو الآباء حتى لا تلهي الأبناء حياتهم فتبعدهم عن الوفاء والاعتراف بالجميل. فقد يكون في زحمة الحياة من المشاغل والشواغل ما يصرف الولد عن حياة والديه فكانت الاستجاشة التي قرنت العقيدة كركيزة للعمل الطيب بأول الأعمال الصالحة من العبد المؤمن وهو البر بالوالدين. الوالدان بالفطرة والجبلة يندفعان في تحمس ورغبة عارمة وأمل قوي نحو رعاية ولدهما، وقد يصل هذا الاندفاع إلى التضحية بالمال والصحة والمركز، ومن ثم فالآباء ليسوا في حاجة إلى إثارة عواطف الحنان تجاه أولادهم إلا في مسألة تتعلق بالاعتقاد وهي قتل الأبناء للإملاق أو لخشيته. وأخرى تتعلق بحسن التربية. أما الأبناء فقد تجرفهم الحياة في صخبها فينسون هذا الجميل الذي بذله الوالدان منذ كان جنينا. والبر بالوالدين لا حد له في معروف الأخلاق إن الأدب والبر مطلوبان من الأبناء تجاه الآباء في كل ملابسات الحياة وكلمة أف التي تعبر عن الضجر أو الضيق غير مسموح بالتفوه بها في مواجهتهما (ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما). وأسلوب المعاملة مهما يأخذ صورة الجناح في كونه ساعدا للطير على التحرك حيث يشاء من أعلى إلى أسفل ومن تحت إلى فوق، وكونه خفيف الثقل في التحرك علوا، ودنوا، وكونه يتهادى في رفق وأناة فهو يساعد الطير على تحركه. ومع أنه ليس جناح نسر، ولا جناح عات فظ بل هو جناح الذل والتواضع والعطف والحنان. ومع هذا التواضع سلوكا فإن الولد مطالب بالدعاء لهما وصلة أصحابهما؛ وفي الحديث الشريف: من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده حديث صحيح رواه ابن حبان في صحيحه. وإرضاء الوالدين من إرضاء الله جل شأنه، ففي الحديث: من أرضى والديه فقد أرضى الله، ومن أسخط والديه فقد أسخط الله رواه ابن النجار عن أنس. ويجعل النبي صلى الله عليه وسلم الجنة تحت أرجلهما؛ ففي الحديث: ألك والدان؟ قال: نعمن قال: الزمهما، فإن الجنة تحت أرجلهما رواه الطبراني. وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله، ما حق الوالدين على ولدهما؟ قال: هما جنتك ونارك. رواه ابن ماجة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة رواه مسلم، رغم بفتح الراء وكسر الغين: راجع النهاية في غريب الحديث والأثر ج2 ص38. وعن طلحة بن معاوية السلمي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: إني أريد الجهاد في سبيل الله. قال: أمك حية؟ قلت: نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: الزم رجلها فثم الجنة. وهذه الحقوق التي يوجبها الإسلام على الأبناء نحو الوالدين، لا تفرق بين الأب والأم، ولا بين الوالدين مسلمين كانا أو غير مسلمين. إن الشاب المسلم مؤدب رفيق، مهذب، دمث الأخلاق، رفيع الهمة، صادق المشاعر، وهو يؤدي واجباته الدينية كما أمر الله جل شأنه دون اعتبار لعاطفة خاصة ومن أوليات الأخلاق الإسلامية التي يلتزم بها الشاب المسلم البر بالوالدين. عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: نعم صلي أمك. رواه البخاري ومسلم. والحد الذي يلتزمه الشاب في البر بوالديه واضح في القرآن الكريم: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ماليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون). لقمان: 15. ولهذا أوجب الإسلام على الولد نفقة والده إذا كان الوالد فقيرا والولد غنيا أو قادرا؛ قال الشافعي رحمه الله في كتاب الأم: إذا كان الوالد زمنا لا يغني نفسه ولا عياله ولا حرفة له فينفق عليه ولده وولد ولده وإن سفلوا لأنهم ولد؛ وحق الوالد على الولد أعظم الأم ج8 ص234. قال في نهاية المحتاج: يلزم الفرع نفقة الوالد المحتاج له وزوجته نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ج7 ص207. منزلة الأم في البر بالوالدين: عن معاوية بن جاهمة أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو، وقد جئت أستشيرك فقال: هل لك من أم ؟ قال: نعم. قال: فالزمها، فإن الجنة عند رجلها رواه النسائي وابن ماجة. -وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك رواه البخاري ومسلم. والخالة مثل الأم في البر: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إني أذنبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة؟ فقال: هل لك من أم؟ قال: لا. قال: فهل لك من خالة؟ قال: نعم. قال: فبرها. رواه الترمذي. والأقارب لهم حق البر: عن طارق المحاربي قال: قدمت المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، وأختك، ثم أدناك أدناك. قال في شرحه في نيل الأوطار: فيه دليل على وجوب نفقة الأقارب سواء كانوا وارثين أم لا نيل الأوطار ج6 ص347. نقلا من كتاب استوصوا بالنساء خيرا للدكتور رؤوف شلبي

علِّق

comments powered by Disqus