• الاثنين 10 رجب 1434 هـ - 20 مايو 2013 - 08:21 صباحا

المنهج العلمي والعملي في الدعوة إلى الله (طرق الدعوة إلى الله)

الهيئة السلفية إنما قامت أصلا لنشر الدعوة إلى الله تعالى بين المسلمين مهتدية بالعلم النافع من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال السلف الصالح رحمهم الله تعالى. فجعلت من برنامجها: أ - العمل على إقامة المعاهد العلمية لنشر العلوم الشرعية على أيدي نخبة من طلبة العلم الشرعي الذين تلقوا العلم الشرعي من الجامعات والمعاهد الإسلامية أو درسوا على العلماء والمشايخ. ب - إحياء الدروس العلمية المنهجية في المساجد في شتى فنون العلم الشرعي في العقيدة والحديث والتفسير واللغة العربية مع التعويل على تدريس الكتب السلفية في ذلك. ج - تشجيع ودعم البحث العلمي بين طلبة العلم ونشر البحوث العلمية في القضايا الشرعية. ولا تخفى أهمية البحوث وتأصيل المسائل على أسس علمية في ترسيخ العلم وإظهار الحق وإبطال الشبه ورد الطعون على الإسلام من قبل المستشرقين وأعوانهم، مما له أعظم الأثر في خدمة الدعوة إلى الله تعالى. د - التعاون مع كافة من يعمل في حقل الدعوة إلى الله تعالى فيما وافقوا فيه الكتاب والسنة وما درج عليه سلف الأمة. هـ- العلم على نشر وتوزيع الكتب والرسائل والأشرطة العلمية السلفية. و - عقد المؤتمرات العلمية لمناقشة القضايا الجوهرية وحل المشكلات والمعضلات والنوازل التي تجد في ساحة الدعوة إلى الله وتوسيع دائرة مشاركة العلماء في الداخل والخارج. العمل الجماعي القائم على التعاون الشرعي لا التجمع الحزبي: لا تخفى أهمية العمل الجماعي لنشر الدعوة إلى الله تعالى لأنه من التعاون المأمور به شرعا في قوله تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) المائدة:٢.(من إضافات الشيخ ابن باز يرحمه الله). وقال عليه الصلاة والسلام: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه) رواه مسلم. وما يتحقق من المصالح الشرعية والإنجازات عن طريق الجماعات المتعاونة لا يمكن أن يتوهم أحد أن فردا من الناس في هذا الزمان يحققها بحال. فصار العمل الجماعي لنشر الدعوة أمرا هاما لا سيما في مثل الأقطار التي يتحكم فيها أهل البدع بكثرتهم. أبرز ضوابط نجاح العمل الجماعي في الدعوة إلى الله: أولا: الإخلاص: يجب أن يكون القصد من الاجتماع للعمل الدعوي إرضا الله تعالى بنصرة دينه والسعي إلى إعلاء كلمته لقوله تعالى: (ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) البينة:٥. وقال عليه الصلاة والسلام (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) متفق عليه. ويجب الحذر من اتخاذ العمل الجماعي الدعوي وسيلة للنفوذ إلى المآرب الدنيوية الخاصة وإهمال الدعوة نفسها. فالدعوة إلى الله تعالى عمل يقوم أساسا على الاحتساب عند الله لأنها عبادة من أجل العبادات. ثانيا: تجنب الحزبية: الحزبية فكرة تقضي بعقد الولاء والبراء على أساس الانتماء للتنظيم المعين والقيادة وينطلق الحزبيون في ذلك من منطلق أنهم أصحاب الحق بلا مشاركة من غيرهم وأنهم الجديرون بنصرة الإسلام وأن من كان خارج حزبهم وتنظيمهم فاشل لا ينفع الإسلام بشيء وأنه يجب أن يزول ولو كان من حملة عقيدة السلف الصالح والخلق الفاضل في ميزان الإسلام. ومن كان معهم ووافقهم في مزاجهم ومزاج قيادتهم فهو المؤمن الحق الخالي من العيوب. فالحزبية بهذا إنما تفرق كلمة المسلمين وتلقي بينهم العداوة والبغضاء وقد أبان شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله الحكم الشرعي في الحزبية والحزبيين فقال:( وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى، كما قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) المائدة: ٢. وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهدا بموافقته على كل ما يريده وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه بل من فعل هذا كان من جنس جنكيز خان وأمثاله الذين يجعلون من وافقهم صديقا (مواليا) ( من إضافات الشيخ ابن باز يرحمه الله)، ومن خالفهم عدوا باغيا بل عليهم وعلى أتباعهم عهد الله ورسوله بأن يطيعوا الله ورسوله). أهـ. فالواجب تجنب الحزبية لما فيها من الضرر على الإسلام والمسلمين والسعي إلى جمع كلمة المسلمين قدر الطاقة ومؤاخاتهم جميعا والعمل والتعاون معهم ولو كانوا خارج التنظيم. ثالثا: أن يكون تعاونا لا إمرة: وينبغي أن يقوم العمل الجماعي على التعاون وتضافر الجهود لنشر الخير بين الناس يساهم كل بجهده في سبيل تحقيق الهدف المنشود. وينبغي أن يظلله الإخاء والمحبة في الله والتناصح وقد أخفقت كثير من التنظيمات الدعوية لماجعلت غايتها إبراز قوة التنظيم والسيطرة على الأتباع بالتحكم فيهم بعدم فعل شيء إلا بإذن القيادة. وتجد هؤلاء يجعلون لأنفسهم حق الطاعة على أتباعهم وينزلون أحاديث الإمارة العامة في إمارتهم، فأمير الدعوة عندهم تجب طاعة أوامره فجعلوا التنظيم أصلا فانشغلوا به عن الدعوة. رابعا: أن يقوده العلماء وطلبة العلم الشرعي: لا نجاح لأي عمل جماعي ما لم يكن قائما على تحكيم الشرع وتقديمه على اللوائح التنظيمية، وما لم يكن القائمون على رأسه علماء أو طلبة علم أكفاء لأنهم الذين يدركون ما ينفع وما يضر الدعوة إلى الله تعالى. ومن أبرز أسباب فشل كثير من التنظيمات الدعوية القائمة وتآكلها في نفسها هو إسناد إدارات الدعوة وقيادتها إلى روؤس جهال بحجة سبقهم إلى اعتناق الدعوة وتجد هم هؤلاء الأكبر الحرص على البقاء على هذه القيادة لو تضررت الدعوة بسبب ذلك، وكل ذلك مع وجود من هو أكفأ منهم من جميع الوجوه، فإسناد أمور الدعوة إلى طلبة علم أكفاء هو سبيل الخلاص من هذه العوائق. خامسا: الشورى: لا شك أن قاعدة الشورى هي من أعظم الأسس والقيم الأخلاقية في الشريعة الإسلامية وهي من أهم قواعدها التي نطق بها القرآن الكريم قال تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) آل عمران:١٥٩. وقال تعالى( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) الشورى:٣٨. والنبي صلى الله عليه وسلم على عظيم قدره ومنزلته وتأييده بوحي السماء كان كثير المشاورة لأصحابه في كثير من الشؤون التي لم ينص عليها القرآن. فقد شاور أصحابه يوم بدر فقال:( أشيروا علي أيها الناس) فأشار عليه الحباب بن المنذر بالنزول على الماء فقبل منه، وأشار عليه سعد بن معاذ وسعد بن عبادة يوم الخندق بترك مصالحة العدو على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما. وهكذا كان خلفاؤه الراشدون ومن بعدهم. وليست الشورى في المجتمع الإسلامي على غرار الشورى في المجتمعات الديمقراطية، فهذه شورى ابتدعها الإنسان للتشاور في صيغة حكمه نفسه بنفسه، ولكن الشورى في الإسلام شرعت للتداول بين أصحاب العقول الراجحة من أهل الحل والعقد للتوصل إلى الصورة المثلى في تطبيق حكم الله على البشر. ولا نجاح للعمل الجماعي ما لم تمارس فيه الشورى الشرعية التي يكون المرجع فيها إلى أهل الحل والعقد وهم العلماء وطلبة العلم الشرعي. وفي القرآن آيات كثيرة تنص على أن الرأي لأهل الفضل والعلم وليس لأكثر الناس على التعميم قال تعالى : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون) الأنعام:١١٦. فإذا كانت طاعة الكثرة الجاهلة تضل عن سبيل الله فليس من الصواب أن تكون لهم المشورة، وإنما ترجع المشورة إلى أهل العلم بدليل قوله تعالى:(وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو روده إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) النساء : ٨٣. سادسا: عدم مجاراة الأحزاب العلمانية في سياستها وخططها وتنظيماتها في العمل الجماعي الشرعي لما في ذلك من التشبه بالكفار إذ هؤلاء العلمانيون إنما يأخذون نظمهم من الكفار. ولقد أولع كثير من التنظيمات الدعوية بإدخال نظم الأحزاب العلمانية في العمل الدعوي في عدة أمور: الأمر الأول: التركيز على الدعاية بالمرأة والمتاجرة بها وفي زعم هؤلاء أن ذلك نوع من الانفتاح والمرونة التي تجلب الناس إلى الدين ويكثر الأتباع فتجد هؤلاء يأخذون بأوهى الأقوال في مسائل المرأة ويحرضونها على المشاركة في المحافل والجامعات المختلطة وتقام للنساء معسكرات للدعوة بلا محارم ونحو ذلك. الأمر الثاني: استمرا ء الكذب لمصلحة الدعوة (زعموا ) مجاراة للسياسة العلمانية القائمة على الكذب أصلا. الأمر الثالث: ممارسة الأعمال السرية في الدعوة إلى الله تعالى والتجسس. الأمر الرابع: الإمعان في السياسة العلمانية وإهمال الدعوة إلى الله تعالى بالاشتغال بالمنافسة على الفوز بأكبر جمهور كما من أجل الفوز بالانتخابات البرلمانية أو انتخابات اتحادات الجامعات فتجد هؤلاء يهملون الدعوة إلى الله تعالى وينشغلون بنقد الأحزاب الأخرى سياسيا مع الدعاية لأنفسهم. الأمر الخامس: تتبع الرخص والأخذ بالأقوال المرجوحة. مثل استعمال التصوير بالآلات مجاراة للأحزاب السياسية وأدخالها في المساجد والمحافل الدعوية. الأمر السادس: الاستهانة بالعلم الشرعي وطلبته ووصمهم بالتشدد وعدم المرونة وعدم الفهم للواقع وإبعادهم عن مواطن الحل والعقد في تنظيماتهم إلا من أنسوا منه عدم المخالفة لهم في الرأي مع الاهتمام بالعلم الدنيوي وتشجعيه ودعمه والنظر إلى أهله أنهم الذين ينصرون الدين. الأمر السابع: فصل وإبعاد كل من لم يذعن ويسلم لإداراتهم وقياداتهم (لمصلحة الدعوة زعموا) خاصة إذا أظهر انتقادا أو أكثر من النصح ولو كان محقا. الأمر الثامن: اللجوء إلى وسائل الأحزاب العلمانية في الدعاية من هتافات ومظاهرات واعتصامات ونحو ذلك مما لا أصل في الدين. ختاما: هذا منهجنا الذي ندين الله به ونعتقده وندعو كافة المسلمين للتعاون معنا فيه ونسأل الله تعالى أن يسددنا ويوفقنا لما فيه رضاه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وسلم. الهيئة السلفية للدعوة إلى الله تعالى والبحث العلمي في جميعة الكتاب والسنة الخيرية، السودان، الخرطوم.
view counter