يعيش الناس في السنوات الأخيرة هاجسا مقلقا يتمحور حول قضية فترة الصلاحية للمواد الغذائية المنتجة سواء المصنعة منها أو الطازجة.. ويتراوح هذا الهاجس بين الشك في مدى كفاءة فترة الصلاحية.. واليقين في أن مقاييس هذا الاصطلاح مضمونة النتائج.
وتثور بين هذا وذاك اتهامات مؤداها أن الشركات التي تنتج الغذاء تستعمل كيماويات منها مواد حافظة لإعطاء المنتجات الغذائية فترة أطول في الصلاحية تتيح لها فترة تسويقية أوسع لنقلها إلى أماكن بعيدة عن مناطق إنتاجها.لقد عقدت مؤتمرات وندوات علمية حول هذا الموضوع تناولت محاور على جانب كبير من الأهمية، وخصوصا ما يتعلق بسمية المواد الغذائية وفسادها سواء بعد انتهاء فترة صلاحيتها أو حتى قبل الانتهاء بسبب ظروف التداول والتخزين والتسويق.
والتساؤلات التي تطرح نفسها هي: ماذا نعني بفترة الصلاحية، وكيف نحددها؟ وماهو معيار الصلاحية؟ وماهو واجب الصناعة الغذائية وتجار الجملة والتجزئة؟ ثم ماهو واجب المستهلك؟
فترة الصلاحية:
هي فترة زمنية تحددها الجهات التشريعية الرسمية مثل الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس تتلاءم مع الظروف الطبيعية السائدة في أثناء الفصول المختلفة من السنة تعكس استمرار صلاحية المنتج الغذائي في احتفاظه بقيمته الغذائية طوال تلك الفترة الموضحة في شكل تواريخ هجرية أو ميلادية أو كليهما عن تاريخ الإنتاج، وتاريخ انتهاء فترة الصلاحية على السطح الخارجي للحاوية أو العبوة الغذائية في صورة مختومة، أو مطبوعة، أو محفورة بحيث يصعب إزالتها أو استبدالها. ويختلف طول هذه الفترة حسب طبيعة المنتج وتركيبه الكيميائي، وخواصه الحسية، ومحتواه المائي وحمله الميكروبي، ودرجة حساسيته لعوامل الفساد المختلفة طبيعية أم كيميائية أم ميكروبية، والأهم من ذلك كله العبوة، أو الحاوية، أو الغلاف وقدرتهاعلى توفير الحماية التامة للغذاء بداخلها وعزله عن المؤثرات الخارجية في أثناء النقل، والتداول، والتوزيع، والتخزين متى ماتوفرت ظروف التخزين الملائمة للمنتج إذا كان مبردا، أو مجمدا، أو مجففا، أو معلبا. وقد تكون فترة الصلاحية أياما معدودة للأغذية المبردة مثل الألبان الطازجة وبعض منتجاتها، أو شهورا للأغذية المجمدة وبعض المشروبات، والعصائر، أو سنوات عدة للأغذية المعلبة والمجففة والمجفدة.
تحديد فترة الصلاحية:
يعتبر تحديد فترة الصلاحية لمنتج ما من أصعب الاختبارات على الأغذية وخصوصا للأغذية ذات فترة الصلاحية الطويلة التي قد تصل إلى سنين طويلة، وعندئذ يلجأ العاملون في مجال الغذاء إلى ما يسمى باختبار تعجيل الفساد Accelerated Test أي تعريض المنتج لظروف قاسية لفترة زمنية أقصر من فترة الصلاحية المتوقعة، ومن ثم ملاحظة التغيرات على الغذاء وربطها بحسابات معينة تعكس فترة الصلاحية الحقيقية أو الفعلية. إنه وبالرغم من الجهود الحثيثة لتحديد فترة الصلاحية في بلدان العالم التي تفرض فترة الصلاحية على منتجاتها المحلية أو المستوردة إلا أنه مازال هناك جوانب قصور في الاختبارات الحالية. خصوصا بالنسبة للمنتجات الغذائية غير التقليدية، ومايتوقع أن تكون عليه فترة الصلاحية في القرن الحادي والعشرين.
معيار فترة الصلاحية:
وهناك سؤال يقول: هل تعتبر فترة الصلاحية معيارا حقيقيا للصلاحية أو الجودة الغذائية؟
إن مضمون فترة الصلاحية مضمون تشريعي غذائي، وفي الوقت نفسه مضمون إرشادي توعوي ليس للمستهلك، بل للصانع والتاجر والموزع كمؤشر على استمرار الصلاحية أو الجودة الغذائية، لكن هذا المضمون قد يكون عديم الفائدة إذا لم يتم ربط فترة الصلاحية بظروف التخزين المناسبة. فمثلا فترة صلاحية غذاء مبرد مثل اللبن سبعة أيام، ولكن هذه الفترة مشروطة بالحفاظ على المنتج عند درجة حرارة التبريد التي تؤجل فساد اللبن إلى أطول فترة ممكنة وهي سبعة أيام. وقد تزيد، فلو تعرض اللبن إلى درجة حرارة أعلى من حرارة التبريد سواء في أثناء النقل أو التداول، أو التوزيع، أو العرض في أثناء البيع فإن الأحياء الدقيقة الموجودة فيه ستصل إلى حد كبير من النشاط، وتحوله إلى غذاء غير صالح للاستهلاك الآدمي في غضون ساعات قليلة، بغض النظر عن التواريخ المكتوبة على بطاقته الخارجية. وهنا يبرز الخلاف بين الصانع أو الموزع، أو صاحب التجزئة من جهة وبين المستهلك من جهة أخرى، فيبرز الأول سيف فترة الصلاحية ويظهر الثاني - أي المستهلك- المنتج وقد أصبح فاسدا، وأن بيعه بهذه الصورة غش يستحق طائلة القانون.
في بعض الدول المتقدمة ليس هناك مايعرف بفترة الصلاحية، ولكن هناك تواريخ إرشادية تدل على درجة طزاجة المنتج، وأن من الأفضل استهلاكه قبل تاريخ محدد، مع أنه مازال صالحا بعد ذلك التاريخ. وقد يقوم البائع طوعا بسحبه في الوقت المناسب عندما تتدنى جودته الحسية حفاظا على سمعته، وخوفا من غضب المستهلك.
واجب الصناعة الغذائية:
حققت الصناعة الغذائية السعودية قفزات هائلة، وأصبحت منتجاتها منافسا قويا للمنتجات المستوردة كما ونوعا داخل المملكة وخارجها، فهي توظف التقنية الغذائية الحديثة للخروج بمنتجات تحوز إعجاب المستهلك وتحقيق رغباته في جودتها الغذائية والتسويقية، لكن هذا الجهد في التصنيع قد يخفيه التوزيع، والتداول والنقل، والاحتياطيات الصحية السيئة من خلال موزعي الجملة والتجزئة التي تتسبب في فساد المنتجات وإلحاق الضرر بسمعة الشركة المنتجة أو المصنعة، وبالتالي فقدان ثقة المستهلك. إن على الصناعة الغذائية أو الشركات المنتجة أن تشرف بنفسها بصورة مباشرة أو غير مباشرة من خلال برامج تدريبية وتوعوية وإرشادية لمنتسبيها الموزعين أولا ثم لعملائها أصحاب المحلات التجارية للتأكد من تطبيق ظــروف التخـــزين المثاليــــة، وتحقيقا لمبـــــدأ الفــائدة من فترة الصلاحية حفاظا على مكتسبات النجاح في التصنيع وضمانا لاستمرار الجودة بعد التصنيع، وحتى وصول الغذاء إلى مائدة المستهلك.
واجب تجار الجملة والتجزئة:
تتوفر في محلات البيع بالجملة كميات هائلة من المنتجات الغذائية مخزنة تحت ظروف غير مناسبة سواء عند تصميم المستودعات العادية أو المبردة، أو المجمدة وبنائها، أو في أثناء النقل في شاحنات ذات أنظمة تبريد رديئة أو منخفضة الكفاءة، ومرتبطة بتشغيل الشاحنة، ويرجع ذلك إلى أسباب عدة منها عدم اختيار الأنظمة المناسبة أو المقاول ذي التنفيذ الجيد، أو عدم مراعاة الظروف الجوية للمملكة، والأهم الافتقار إلى الإدارة الجيدة فنيا القادرة على تطبيق المواصفات التصميمية وإدارة التخزين الجيد، وإعطاء الأولويات في التوزيع والخزن، وتدريب العمالة. كما أن على محلات التجزئة مثل المحلات التجارية والأسواق المركزية، أو البقالات اختيار الأماكن المناسبة للعرض، ووضع البرادات، أو المجمدات والبعد عن المنطقة الأمامية المواجهة لحرارة الشمس أو الهواء الساخن في أثناء الصيف، وتبني نظام مراقبة ذاتية للعاملين للمحافظة على الأجواء الداخلية لمنطقة العرض، وبالتالي جودة المنتجات الغذائية المعروضة.
واجب المستهلك تجاه حفظ المواد الغذائية:
يلجأ بعض المستهلكين إلى تكديس المنتجات الغذائية وخصوصا المعلبة أو المجففة في ظروف معينة مثل الحروب، والأزمات خوفا من نفادها من الأسواق داخل مخزن المنزل تحت ظروف غير مناسبة، مما يعرض الأغذية إلى الفساد قبل انتهاء فترة صلاحيتها المدونة على البطاقة. لذا فإن على المستهلك عند الشراء التأكد من فترة الصلاحية المتبقية للمنتج. والشراء بكميات معقولة تكفي للاستهلاك في مدة معينة، مع الأخذ في الاعتبار ظروف فصل الصيف وابتعاد الأسرة في أثناء الإجازات خارج المنزل. إن على المستهلك مراعاة الظروف المناسبة لتداول الغذاء ونقله من السوق إلى المنزل، وإن آخر ما يشتريه من الأصناف الغذائية في طريقه إلى المنزل تلك الأغذية الحساسة المبردة، أو المجمدة والمسؤولية موصولة إلى ربة المنزل في عدم ترك المنتجات المبردة أو المجمدة خارج البراد أو ترك باب البراد مفتوحا لأن تلك الممارسات تضر بفترة الصلاحية وتجعلها أقصر بكثير مما هي عليه، كما عليها الاستفادة من المعلومات الإرشادية المتعلقة بفترة الصلاحية مثل التداول الأمثل، وظروف التخزين المناسبة.