تشعيع الأغذية واختلاط المفاهيم!

الغــذاء نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان، وهو السبب في بقائه واستمراره بعد قدرة الله، على هذه الأرض، إلا أن حجم الفواقد في المواد الخام الزراعية والغذائية والإنتاج بمعدلات لا تتوافق مع الزيادة المطردة في عدد السكان يشكل هاجسا يهدد الأمن الغذائي الذي تنشده جميع شعوب العالم. تقـدر الفواقـد في الغذاء عالميا بأكثر من 30?، وفي بعض الدول الناميـة 50? وأكثـر من الكميات المنتجة من الغذاء بسبب عوامل الفساد المختلفــة، بيولوجيـة أو طبيعيـة أو كيميـائيـة. ذلك يعنـي هـدرا اقتصاديـا واستنـزاف جهود كبيــرة في الإنتـاج وتوفيـر الغذاء. وفي منطقة الشرق الأوسط وحدها تشير دراسات المنظمة العربية للتنمية الزراعية إلى أن قيمة الفواقد في المنتجات الزراعية والغذائية تصل إلى أكثر من 5 مليارات دولار أمريكي. إن بالإمكان تقليل هذه الفواقد باستخدام الطرائق المناسبة في الحفظ والنقل والتداول والتخزين، غير أن الطرائق التقليدية في الحفظ، وخصوصا بعد التوسع الهائل في استخدام المواد الكيميائية في مراحل الإنتاج والتصنيع وحتى وصول المنتج الغذائي إلى مائدة المستهلك، أصبحت معرضة للشكوك والتساؤلات حول علاقة هذه المواد بصحة الإنسان، وأوجدت الحاجة إلى طرائق بديلة من أهمها تقنية التشعيع بهدف الحفظ كطريقة واعدة بدأت كفكرة منذ أكثر من ستين عاما، ومرت بتجارب بحثية ودراسات مستفيضة لم تحظ بها أي طريقة من طرائق الحفظ، حتى أصبحت في الوقت الحاضر مستخدمة في أكثر من أربعين بلدا في العالم، بل ودخلت المجال التجاري في حوالي 28 بلدا، ولكنها ما زالت رغم ذلك غير مطبقة في الدول العربية باستثناء سوريا ومصر لأسباب عديدة، أهمها: نقص الوعي والمعرفة، وعدم مواكبة المستجدات حيال تقنية تشعيع الأغذية بهدف الحفظ سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات الحكومية والخاصة. مفهوم تقنية التشعيع: إن من أهم عوائق انتشار تقنية التشعيع بهدف حفظ الأغذية هو خلط المستهلك بين مفهوم التلوث الإشعاعي ومفهوم تقنية التشعيع بهدف الحفظ بسبب الأفكار العاطفية حيال الحروب والتفجيرات النووية والحوادث النووية الإشعاعية مثل حادث شرنوبل عام 1986م في الاتحاد السوفيتي، وحادث التلوث الإشعاعي في البرازيل عام 1987م. وقد أدى الحادث الأول إلى جعل المنتجات الغذائية والزراعية نشطة إشعاعيا؛ بسبب تعرضها لنواتج مفاعلات نووية في شكل نيترونات أو جسيمات (ألفا وبيتا) أدت إلى تلوث هذه المنتجات، وبالتالي حظر استهلاكها بسبب خطورتها على الصحة. وهذا يفسر التلوث الإشعاعي للأغذية، وهذا ما جعل الكثير من دول العالم ومنها المملكة العربية السعودية تضع مواصفات قياسية تحدد المستويات القصوى المسموح بها للملوثات الإشعاعية في المنتجات الغذائية تكفل حماية الإنسان والحيوان من مخاطر التلوث الإشعاعي. أما مفهوم تشعيع الأغذية بهدف الحفظ فهو تعريض المنتجات الزراعية والغذائية إلى أشعة جاما المؤينة عديمة الكتلة، عديمة الأثر، ذات الطاقة العالية في صورة جرعة مقننة مرخص بها ولفترة زمنية معينة داخل وحدة تشعيع محكمة لتحقيق القضاء على الأطوار الحشرية المختلفة في الحبوب المخزونة والتمور والبقوليات والتوابل وغيرها، وكذا إزالة التلوث الميكروبي والميكروبات الممرضة والطفيليات في اللحوم والدواجن والأسماك، وإطالة فترة صلاحيتها. كما يستخدم التشعيع في منع الإنبات أو التزريع في البطاطس والبصل والثوم وإطالة فترة صلاحيته، وتأخير النضج لبعض ثمار الفاكهة، وفي تعقيم بعض الوجبات الغذائية لمرضى نقص المناعة البيولوجية في المستشفيات، وفي معالجة وجبات رواد الفضاء. لقد ساهم التطور الكبير في تطبيقات تقنية تشعيع الأغذية في تقليل نسبة الفواقد وتقليل الاعتماد على المواد الكيميائية المستخدمة في حفظ المنتجات الغذائية والزراعية، كما كان له دور في الحد من أمراض التسمم الغذائي الناتجة عن الميكروبات الممرضة. وأصبحت تقنية التشعيع سندا قويا للحجر الصحي، كما سهلت عمليات التصدير والتبادل التجاري العالمي. سلامة الأغذية المشععة: إن طبيعة الأشعة المستخدمة في تقنية التشعيع بهدف حفظ الأغذية لا تتسبب في اكتساب الأغذية المعرضة لها ظاهرة إشعاعية أو استحداث مواد مشععة فيها، كما أن طاقة المنابع المستعملة مثل كوبلت 60 غير كافية لتكوين نظائر ضمن الغذاء. لا تحتوي الأغذية المشععة على مواد ضارة أو خطرة بسبب التغيرات الحسية أو الطبيعية أو الكيميائية الناتجة عن الشقوق الحرة المتكونة من التشعيع، والتي تشابه تأثيرات المعاملة الحرارية للأغذية (إذا استخدمت بالطبع الجرعة الإشعاعية المناسبة والمصدر الإشعاعي المناسب). كما أن التأثير على القيمة الغذائية مثل فقد بعض الفيتامينات نتيجة للتشعيع يقارب الفواقد في الطرائق التقليدية الأخرى. يرفق عادة مع عبوات الأغذية المشععة شعار دائري أخضر اللون مميز، وعبارة: إن الغذاء معالج بالتشعيع. مزاعم وهمية: إن من أهم العقبات التي تواجه تسويق هذه الأغذية هي تخوف المستهلك كما أشرنا إليه سابقا، إلا أن هذا الخوف تبدد مع الوقت، وأصبحت الأغذية المشععة، في دول كثيرة تباع جنبا إلى جنب مع نظائرها غير المشععة بل قد يقبل المستهلك على تفضيل شراء الأغذية المشععة نظرا لجودتها وسلامتها. لابد من الإشارة إلى أنه لم تخضع طريقة من طرائق حفظ الأغذية كما خضعت له تقنية التشعيع من البحث والتدقيق في مجال السلامة خلال الأربعين سنة الماضية، من خلال المؤتمرات والاجتماعات المتعاقبة واللجان المتخصصة المنبثقة عن المنظمات الدولية المعروفة (أهمها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، منظمة الصحة العالمية، منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة) كل الأعوام 1961، 1969، 1976، 1984، 1988،1997 والتي أجمعت على سلامة المواد الغذائية والزراعية المشععة عند جرعات محددة وضوابط معينة. حيث تم تحديد جرعات إشعاعية لا تزيد على 10 كيلوجرامات في عام 1980م، بل وفي عام 1997م تم السماح بجرعات أعلى من ذلك المعدل، وأن هذه الجرعات آمنة ولا تتطلب إجراء دراسات إضافية للسمية. تلك هي استنتاجات دراسات مكثفة ومفصلة على السمية العامة للأغذية المشععة وتأثيراتها الصحية، وأخرى على الخواص الحسية والطبيعية والكيميائية للأغذية المشععة، وعلى القيمة الغذائية ومقارنة التشعيع بطرائق الحفظ التقليدية ودراسات ميكروبيولوجية على الأحياء الدقيقة الممرضة والطفيليات والحشرات في جميع أطوارها. كما أن هناك دراسات الكيمياء الإشعاعية ونواتج التحلل الناتجة من التشعيع وغيرها. ولقد أوضحت المنظمات العلمية المهتمة بمعالجة الأغذية بالتشعيع (مثل جمعية الأطباء الأمريكيين عام 1984م) أن تشعيع الأغذية لا يشكل خطرا على الصحة، ويعتبر بديلا مهما للمبيدات والمواد الكيميائية للسيطرة على الأحياء الدقيقة التي تلوث الأغذية. كما أن المعهد التكنولوجي للأغذية (IFT) وهو مؤسسة عالمية معروفة أوضح أن تشعيع الأغذية يعتبر آمنا. وقد يفيد المستهلك في الحصول على أغذية عالية الجودة، وأصدر ذلك المعهد نشرة عرفت باسم حفظ الأغذية بالتشعيع. واليوم نجد أن منشآت التشعيع مصممة وفق مواصفات عالمية معتمدة في الإنشاء والتشغيل، وقد حفلت هذه المنشآت بسجل مشرف من السلامة والاحتياطات الصارمة والكشف الدوري المتواصل، وهذا جعلها جزءا من منشآت المجتمع الأخرى. فهناك في العالم أكثر من 160 منشأة صناعية لتوليد أشعة جاما لتشعيع المجتمعات الزراعية والغذائية وغيرها من المنتجات. حتمية قدوم الضيف: لم يسمح لتقنية التشعيع بهدف حفظ الأغذية حتى الآن في المملكة العربية السعودية، كما لا يسمح باستيراد المنتجات الغذائية والزراعية أو الأعلاف المشععة، منذ القرار الذي اتخذ في عام 1989م بهذا الخصوص. ولكن هناك حاجة ماسة إلى إدخال هذه التقنية مستقبلا من منطلق توقع انضمام المملكة المرتقب لعضوية الاتفاقية الدولية للتجارة والتعريفات الجمركية (GATT)، وحاجة صناعة التمور، والمؤسسة العامة لصوامع الغلال ومطاحن الدقيق إلى توفير بديل مثل تقنية التشعيع عند تحريم استخدام غاز بروميد الميثيل عالميا عام 2001م (وهذا الغاز هو المستخدم حاليا لتعقيم التمور من الحشرات). إن المستجدات الحديثة في مجال طرائق الكشف عن الأغذية المشععة تشير إلى زيادة الثقة في تقنية تشعيع الأغذية وتبديد مخاوف المستهلك، وتساهم في إزالة العوائق التي قد تحد من انتقال هذه التقنية إلى الوطن العربي والمملكة، لكن الأهم هو تنمية الوعي الجماهيري، وإقناع كل من المستهلك والمنتج والمستثمر بكافة الجوانب التقنية والاقتصادية والصحية لتقنية تشعيع المنتجات بهدف الحفظ، عبر القنوات والوسائل الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية، والإسراع في إصدار تشريعات منظمة لممارسة تقنية التشعيع بهدف الحفظ، وتوظيف البحوث القائمة في المملكة لتكون الأساس لمواصفات قياسية سعودية على الأغذية المشععة. نشر في مجلة (عالم الغذاء) عدد (8) بتاريخ ( فبراير 1999م -شوال1419هـ )

علِّق

comments powered by Disqus