بحث في أن قبض الشيك قبض لمحتواه

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله الأمين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهديه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين وبعد: لقد ابتلي هذا العصر بحكم تطور وسائل الحياة بمختلف ألوانها وأشكالها وأحوالها بمشاكل لا سيما في المعاملات لم يكن لأهل هذا العصر من أسلافهم البررة الفقهاء نصوص فيها، وإن كانوا رحمهم الله أوغلوا في تصوير مسائل ليس لها من واقعهم نصيب وإنما تعتبر في زمنهم من مدارك الخيال، كقولهم: ولو أن حاجا طار في سماء عرفة كان له بذلك حكم الوقوف بها، فجاء الطيران في عصرنا فانتقل ذلك الخيال إلى حقيقة. وكقول بعضهم: ولو أن إنسانا باع كاغدة بألف دينار صح البيع. ولم يكن هناك واقع ملموس في وجود صفقات بيع من هذا النوع، فجاء تطور الأثمان بإمكان وجود قطع من الكاغد تبلغ قيمة الواحدة منها أكثر مما تبلغه قطعة نقد ذهبية، وهكذا جاء عصرنا بعجائب الزمان وغرائبه، ولكننا أمام هذا السيل العارم من المشاكل الفقهية في العبادات والمعاملات والجنايات والتحقيقات الجنائية والقضائية لا نعدم من سلفنا الصالح من أئمتنا وفقهائنا استنباط قواعد عامة تعتبر مناطا لتعليق هذه المشاكل الفقهية عليها ولتفريعها عنها. ومن تلك القواعد الفقهية: الأصل في المعاملات الإباحة، والأصل في العبادات الحظر، المشقة تجلب التيسير. إذا ضاق الأمر اتسع، العرف والعادة محكمان. ونظرا إلى ضخامة حجم المبادلات التجارية في عصرنا الحاضر، فقد ألجأت الحاجة إلى إيجاد أثمان ورقية عرفت بأوراق البنكنوت، ثم حلت محل الأثمان المعدنية واكتسبت كل خصائص الأثمان، فاعتبرت مقياسا للقيم، ومستودعا للثروة، وأداة للإبراء العام. وانعقد الإجماع أو كاد على إجراء أحكام الأثمان المعدنية عليها. وبالرغم من السهولة نسبيا في إصدار مبالغ كبيرة من الأثمان الورقية في حدود القيود الموجبة لاعتبارها، فقد ظهر عجزها عن مجاراة متطلبات المبادلات التجارية، وقام عرف عام معتبر في اعتبار الشيك المستوفي لأسباب قبوله في قوة النقد المشتمل عليه، وأن تسليمه وتسلمه موجب لبراءة الذمة من محتواه، ونظرا إلى هذا الوضع للشيكات، وهل قبضه قبض لمحتواه، بحيث يوجب قبضه براءة الذمة من مشموله وتصح المصارفة به، وقد عرضت مسألته على هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، ولا يزال نظره جاريا في مجلسها، كما عرضت مسألته على مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي فأصدرت قرارا باعتبار قبضه قبضا موجبا لبراءة الذمة وصحة الصرف وكان ذلك القرار بعدد 7 وتاريخ 1321409هـ سيجري نقل نصه إن شاء الله في آخر البحث مع بعض نصوص أهل العلم في موضوع القبض وأنه راجع إلى العرف السائد. ونظرا لأهمية الموضوع فقد جرى مني إعداد بحث في تصوير واقع الشيك وتكييف حقيقته تكييفا فقهيا وفي اعتبار قبضه قبضا لمحتواه. هو هذا البحث. تعريف الشيك: الشيك هو أمر مكتوب وفقا لأوضاع معينة حددتها الأنظمة المختصة، يطلب به شخص يسمى الساحب من شخص آخر يسمى المسحوب عليه أن يدفع بمقتضاه أو بمجرد الإطلاع عليه مبلغا معينا من النقود للساحب أو لشخص معين أو لحامله. نموذج لصورة من صور الشيكات خصائص الشيك للشيك خصائص ومميزات باحتوائه إياها يعتبر شيكا معتبرا. هذه الخصائص والمميزات حددتها كل دولة من أنظمتها وقد جاء النص عليها في نظام الأوراق التجارية السعودية ومن ذلك ما يأتي: 1 - المادة (91) يشتمل الشيك على البيانات الآتية. أ - كلمة شيك مكتوبة في متن الصك باللغة التي كتب بها. ب - أمر غير معلق على شرط بوفاء مبلغ معين من النقود. ج - اسم من يلزمه الوفاء (المسحوب عليه). د - مكان الوفاء. هـ - تاريخ ومكان إنشاء الشيك. و - توقيع من أنشأ الشيك- الساحب-. وقد نصت المادة الثانية والتسعون على سلب الشيك الصفة الاعتبارية إذا خلا من البيانات المذكورة في المادة السابقة إلا في حالتين: أ - إذا خلا الشيك من بيان مكان وفائه اعتبر مستحق الوفاء في المكان المبين بجانب اسم المسحوب عليه، فإذا تعددت الأماكن المبينة بجانب اسم المسحوب عليه اعتبر الشيك مستحق الوفاء في أول مكان منها، وإذا خلا الشيك من هذه البيانات أو من أي بيان آخر اعتبر مستحق الوفاء في المكان الذي يقع في المحل الرئيسي للمسحوب عليه. ب - إذا خلا الشيك من بيان مكان الإنشاء اعتبر منشأ في المكان المبين بجانب اسم الساحب. 2 - الشيك ورقة تجارية تشبه النقد من حيث صلاحه للتداول والقبول. 3 - الغالب على الشيك أن يشتمل على أطراف ثلاثة هي الساحب والمسحوب عليه والمستفيد ويجوز اقتصاره على طرفين هما الساحب وهو المستفيد والمسحوب عليه. وإلى هذا تنص المادة السادسة والتسعون من نظام الأوراق التجارية السعودية حيث تقول: يجوز سحب الشيك لأمر الساحب نفسه، ويجوز سحبه لحساب شخص آخر، ولا يجوز سحبه على الساحب نفسه ما لم يكون مسحوبا بين فروع بنك يسيطر عليه مركز رئيسي واحد، ويشترط ألا يكون الشيك مستحق الوفاء لحامله. 4 - يشترط لسحب الشيك أن يكون المسحوب عليه مدينا للساحب بما لا يقل عن قيمته، ومع ذلك فيعتبر الشيك صحيحا ولو لم يكن المسحوب عليه مدينا للساحب، إلا أنه يعتبر من ضمان الساحب نفسه، فضلا عما في سحبه على غير مدين به من الإجرام الموجب للعقوبة. 5 - إذا كان المسحوب عليه غير مدين بمثل قيمته فلا يلزمه اعتماده. 6 - لا يعتبر الشيك مبرئا ذمه ساحبه إبراء تاما من قيمته حتى يتم سداده. 7 - لحامل الشيك الرجوع على الملتزمين مجتمعين أو منفردين إذا قدم في ميعاده النظامي ولم تدفع قيمته. 8 - لا يعتبر الشيك ورقة نقدية تضيع قيمتها بفقدها وإنما هو سند بدين يثبت بإحدى طرق الإثبات المعتبرة في حالة ضياعه. 9 - لا يشترط لصحة الشيك ووجوب دفعه لدى الإطلاع رضا المسحوب عليه إلا إذا كان غير مدين للساحب بمثل قيمته. 10 - لا يشترط لصحة الشيك النص على وصول قيمته للساحب كما هو الشأن في الكمبيالة. 11 - لا يعتبر الشيك ارتفاع رصيده أو نقصانه لدى المسحوب عليه.(انظر نظرات في أحكام الشيك في تشريعات البلاد العربية للدكتور محسن شفيق ص 3242 الموسوعة الفقهية الكويتية- الحوالة ص 227 نظام الأوراق التجاري السعودي ومعه المذكرة التفسيرية له. ونظرا لوجود تشابه بين الشيك والكمبيالة، ولأن للشيك أحكاما لا تثبت للكمبيالة قد يكون من مسلتزمات التصور والإيضاح ذكر الفرق بين الشيك والكمبيالة، وتمهيدا لذلك فلا بد من ذكر ما يعتبر مميزا للكمبيالة حتى يتضح الفرق بينها وبين الشيك. الكمبيالة هي أمر مكتوب وفقا لأوضاع معتبرة معينة حددتها الأنظمة المختصة بإصدار تنظيمات الأوراق التجارية، يطلب بها شخص يسمى الساحب من شخص آخر يسمى المسحوب عليه أن يدفع بمقتضاها مبلغا معينا من النقود للمسحوب له أو لأمره من غير تعليق على شرط، وقد نصت المادتان الأولى والثانية من نظام الأوراق التجارية السعودية على أهم خصائص الكمبيالة بما يلي: المادة 1- تشتمل الكمبيالة على البيانات الآتية: أ - كلمة كمبيالة مكتوبة في متن الصك وباللغة التي كتب بها. ب - أمر غير معلق على شرط بوفاء مبلغ معين من النقود. ج - اسم من يلزمه الوفاء- المسحوب عليه-. د - ميعاد الاستحقاق. هـ- مكان الوفاء. و - اسم من يجب الوفاء له أو لأمره. ز - تاريخ ومكان إنشاء الكمبيالة. ح - توقيع من أنشأ الكمبيالة- الساحب-. المادة-2- لا يعتبر الصك الخالي من البيانات المذكورة في المادة السابقة كمبيالة إلا في الأحوال الآتية: أ - إذا خلت الكمبيالة من بيان ميعاد الاستحقاق اعتبرت مستحقة الوفاء لدى الإطلاع عليها. ب - إذا خلت الكمبيالة من بيان مكان الوفاء أو من بيان موطن المسحوب عليه اعتبر المكان المبين بجانب اسم المسحوب عليه مكان وفائها وموطنا للمسحوب عليه. ج - إذا خلت من بيان مكان إنشائها اعتبرت منشأة في المكان المبين بجانب اسم الساحب. وبما ذكر من ملامح وخصائص عامة لكل من الشيك والكمبيالة يمكننا القول بأن الشيك يتفق مع الكمبيالة في الخصائص التالية: 1 - افتراض وجود ثلاثة أطراف هي الساحب والمسحوب عليه والمستفيد وذلك في الغالب. 2 - وجود علاقتين حقوقيتين إحداهما بين الساحب والمسحوب عليه وهي الرصيد الدائن وهي ما يسمي بمقابل الوفاء، الثانية بين الساحب والمستفيد وهي وصول قيمة الكمبيالة أو الشيك. 3 - قدرتهما على القيام بتسوية ما يرتبانه من علاقات قانونية بين المتعاملين بعملية وفاء واحدة. ويختلف الشيك عن الكمبيالة فيما يلي: أ - إن الشيك يسحب عادة على مصرف ويندر أن يسحب على فرد عادي أو مؤسسة غير مصرفية في حين أن الكمبيالة تسحب على أي جهة أو أي فرد أهل للالتزام بها. ب - إن الشيك واجب الدفع دائما لدى الاطلاع عليه، ولا يجوز تأجيل دفعه، بينما يغلب على الكمبيالة ألا تكون مستحقة الوفاء عند الاطلاع، وإنما يجب وفاؤها بعد وقت يجري تعيينه فيها. ج - يشترط لسحب الشيك أن يكون المسحوب عليه مدينا للساحب بما لا يقل عن قيمته، فإن سحب الشيك على غير مدين به اعتبر ذلك جريمة توجب العقوبة، وتبقي للشيك قيمته المالية في ذمة ساحبه. وعليه فإنه لايلزم المسحوب عليه أن يؤشر على الشيك بالقبول لأنه طالما كان مستكملا لشروط اعتباره كان واجب الدفع على المسحوب عليه رضي بذلك أم سخط. وإلى هذا تشير المادة (100) من نظام الأوراق التجارية السعودية حيث تقول: لا يجوز للمسحوب عليه أن يوقع الشيك بالقبول، وكل قبول مكتوب عليه يعتبر كأن لم يكن، ومع ذلك يجوز للمسحوب عليه أن يؤشر على الشيك باعتماده، وتفيد هذه العبارة وجود مقابل في تاريخ التأشير، ولا يجوز للمسحوب عليه رفض اعتماد الشيك إذا كان لديه مقابل وفاء يكفي لدفع قيمته، ويعتبر توقيع المسحوب عليه على صدر الشيك بمثابة اعتماده اهـ. على أن كثيرا من علماء الاقتصاد والمصارف يرون أن التفرقة بينهما عسير في حال ما إذا كان ساحب الكمبيالة دائنا للمسحوب عليه بقيمتها، وكان النص فيها على الدفع حال الإطلاع وفي ذلك يقول الدكتور أمين بدر بعد أن أستعرض الفروق بينهما ونقاشها مناقشة أذابت كثيرا منها وقربت بعضها لمقابله قال ما نصه: وبالاختصار فإن التمييز بين الشيك والكمبيالة قد يغدو في بعض الصور عسيرا اهـ ( انظر الالتزام المصرفي في قوانين البلاد العربي ص 42). وبمزيد من التأمل يمكن القول أن الكمبيالة قد تكون على حال من الإجراء بحيث يصعب التمييز بينها وبين الشيك كأن يكون سحبها على مدين بها، وأن تكون واجبة الدفع عند الإطلاع، وأن يكون سحبها على مصرف، وقد تختلف عن خصائص الشيك بالنسبة لجنس المسحوب عليه- فردا أو مصرفا- ووجود أجل معين لوجوب دفعها وانتفاء مديونية المسحوب عليه بقيمتها وحنيئذ يبدو الفرق بينهما واضحا جليا (انظر الالتزام المصرفي ص 4041 الموسوعة الفقهية الكويتية-الحوالة- ص 237-نظام الأوراق التجارية السعودي). ونظرا إلى أن الشيك قد تعترضه بعض المخاطر من ضياع أو سرقة أو نحوهما فقد ابتدع النظام المصرفي ما يسمى بالشيك المسطر وذلك بوضع خطين متوازيين على وجهه إشارة إلى تعيين أن يكون الوفاء بهذا الشيك لأحد البنوك لا لفرد أو شخص معنوي غير بنك فيكون على المستفيد منه أن يظهره لأحد البنوك ليتولى تحصيله لحسابه. ويكون الشيك المسطر عاما إذا لم يرد بين الخطين إشارة أو وردت عبارة صاحب مصرف أو ما يعادلها. ويكون خاصا إذا كتب بين الخطين اسم صاحب مصرف بالذات، وفي ذلك تقول المادة (112) من نظام الأوراق التجاري السعودي ما نصه: لايجوز للمسحوب عليه أن يوفي شيكا مسطرا تسطيرا عاما إلا إلى أحد عملائه أو إلى بنك، ولا يجوز أن يوفي شيكا مسطرا تسطيرا خاصا إلا إلى البنك المكتوب اسمه فيما بين الخطين، وإلى عميل هذا البنك إذا كان هذا الأخير هو المسحوب عليه، ومع ذلك يجوز للبنك المكتوب اسمه بين الخطين أن يعهد إلى بنك آخر قبض قيمة الشيك. وهناك وسيلة أخرى لاتقاء مخاطر ضياع الشيك أو سرقته أو تزويره وهي اشتراط قيد قيمته في الحساب الجاري بدلا من دفعها بالنقود، ويفترض لهذه الطريقة وجود حساب جار لحامل الشيك لدى المسحوب عليه، وفي هذا تقول المادة 113 من نظام الأوراق التجاري السعودي ما نصه: يجوز لساحب الشيك أو لحامله أن يشترط عدم وفائه نقدا بأن يضع عبارة للقيد في الحساب أو أية عبارة أخرى تفيد نفس المعنى. وفي هذه الحالة لا يكون للمسحوب عليه إلا تسوية قيمة الشيك بطريق قيود كتابية كالقيد في الحساب أو النقل المصرفي أو المقاصة وتقوم هذه القيود مقام الوفاء، ولا يعتد بشطب بيان-للقيد في الحساب-.(انظر عمليات البنوك من الوجهة القانونية للدكتور علي عوض ص 5456. نظام الأوراق التجارية السعودي نظرات في أحكام الشيك في تشريعات البلاد العربية للدكتور محسن شفيق ص 6872). وهناك ما يسمى بالشيك السياحي ويذكر الأستاذ علي جمال الدين عوض أن أول نشأته كانت عام 1891 بسبب رحلة قام بها رئيس شركة أمريكان إكسبريس للسياحة إلى أوروبا فصادفته متاعب راجعة إلى كيفية حصوله على مال يقوم بشئون حياته في هذه الرحلة فابتكر نظام الشيكات السياحية حتى ذاع استعمالها فأصبحت البنوك تصدر شيكات سياحية قابلة للصرف لدى جميع البنوك الأخرى، ويذكر الأستاذ علي جمال الدين عوض أن الصورة الغالبة للشيك السياحي هو أن يصدر الشيك بفئات نقدية معينة وعلى الصك مكان يوقع فيه العميل عند استلام الشيك ومكان آخر يوقع فيه عند قبض قيمته أمام البنك الذي يدفع هذه القيمة ليتحقق من تطابق التوقيعين ومن أن الذي يستوفي القيمة هو ذات المستفيد الذي تسلم الشيك ممن أصدره. وبعد الوفاء بقيمة الشيك السياحي تسوى العملية بين البنوك المشتركة في إصداره وتنفيذه بطريق المقاصة. ويذكر الأستاذ علي عوض: أن كثيرا من الشراح يستبعد الشيك السياحي من تعريف الشيك إذا تخلف بيان من البيانات اللازمة للشيك. وهو أمر غالب حيث لا يتضمن تاريخ السحب ومكان الإصدار واسم المسحوب عليه وينكر وصفه بالسند الإذني أو السند لحامله كما يعرفه القانون التجاري، إذ هو لا يتضمن تعهد البنك بالدفع حتى ولو تضمن أمرا للمسحوب عليه. لأن تعهد الساحب ضمنا بالوفاء عند تخلف المسحوب عليه لا يكفي لاعتبار الورقة سندا تجاريا صرفيا كما أن وظيفة الشيك السياحي تختلف عن وظيفة السند الإذني أو السند للحامل لأن الشيك السياحي يستهدف مجرد نقل النقود ولا يستخدم أداة للأثمان، وهي الوظيفة الأساسية للسندات التجارية ومن هذا ندرك أن الشيك السياحي ورقة ابتكرها العرف وأقر حكمها بعيدا عن الأحكام التي وضعها التشريع للأوراق التي قد تشتبه بها اهـ(انظر عمليات البنوك من الوجهة القانونية ص 603604). الوصف الفقهي للشيك مر بنا أن من خصائص الشيك أنه ليس ورقة نقدية وإنما هو وثيقة بدين تقضي بإحالة محتواه من ذمة ساحبه إلى ذمة المسحوب عليه، مع بقاء مسئولية ساحبه حتى سداده، وأنه لا ينبغي أن يسحب إلا على من لديه مقابل وفائه، وأنه لا يلزم لاعتباره شيكا قبول المسحوب عليه، وهذه الخصائص هي خصائص الحوالة، فإذا قيل بأن الشيك حوالة كان لهذا القول وجاهته،و لم يرد عليه إلا مسألة ضمان الساحب قيمة الشيك حتى يتم سداده لأن الحوالة نقل الدين من ذمة إلى ذمة بمعنى براءة ذمة المحيل من الدين إذا كانت الإحالة على مليء، وقد أجابت الموسوعة الفقهية الكويتية عن هذا الاعتراض بأن الساحب يعتبر محيلا بمبلغ الشيك وضامنا سداده(أنظر الموسوعة الفقهية الكويتية-الحوالة-ص239240). وقد يقال بأن الشيك يعتبر في حكم ورقة نقدية وفي ذلك تقول الموسوعة الفقهية الكويتية في معرض توجيه القول بأن تسلم الشيك من المصرف بمثابة تسلم قيمته ما نصه: فإذا نظرنا إلى أن الشيكات تعتبر في نظر الناس وعرفهم وثقتهم بمثابة النقود الورقية وأنه يجري تداولها بينهم كالنقود تظهيرا وتحويلا وأنها محمية في قوانين جميع الدول من حيث إن سحب الشيك على جهة ليس للساحب فيها رصيد يفي بقيمة الشيك المسحوب يعتبر جريمة شديدة تعاقب عليها قوانين العقوبات في الدول جميعا، إذا نظرنا إلى هذه الاعتبارات يمكن القول معها بأن تسليم المصرف الوسيط شيكا بقيمة ما قبض من طالب التحويل يعتبر بمثابة دفع بدل الصرف في المجلس اهـ. بعد استعراض ما مر إيراده عن الشيك ووضعه ووصفه وخصائصه وأحكامه، وما بينه وبين الكمبيالة من فروق يطيب لي إيراد ما ذكرته اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء التابعة لهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في بحثها موضوع التحويلات المصرفية والبريدية حيث إن التحويلات المصرفية تتناول تحويل النقد نفسه أو صرفه بنقد آخر ثم تحويله كما يتناول حالات ما إذا كان لطالب التحويل حساب جار في البنك يأمر بالسحب منه لعملية التحويل أم لا، فقد جاء في بحث اللجنة في الموضوع نفسه ما يلي:(هذا البحث قمت بإعداده حينما كنت أحد أعضاء هذه اللجنة) التحويلات المصرفية والبريدية من المعاملات المصرفية التحويلات وتتم بأحد طريقين: أحدهما: أن يدفع شخص إلى مصرف ما مبلغا من المال ليحوله إلى شخص يعينه في بلد آخر فيحرر المصرف حوالة بذلك المبلغ إلى مصرف آخر أو فرع له في البلد المطلوب تحويل المبلغ إليه يأمره بدفع المبلغ إلى الشخص الذي عينه طالب التحويل فيتسلم دافع المبلغ سند التحويل ليقوم بتسليمه محتواه أو يرسله إلى الشخص الذي يريد تسليمه المبلغ ليقبض قيمته وهذا ما يسمى بالتحويل المصرفي. الثاني: أن يقوم المصرف بناء على رغبة دافع الكمبيالة بالكتابة أو الإبراق إلى المصرف الآخر بتسليم المبلغ إلى الشخص المعين دون أن يتسلم العميل حوالة محررة بذلك ويسمى هذا النوع بالتحويل البريدي. وكما يقع التحويل من بلد إلى بلد فقد يكون في البلد نفسه بين مصرف وفروعه وبين حساب شخص في مصرف وحسابه في مصرف آخر، والغالب أن التححويل المصرفي والبريدي لا يتم إلا بعمولة يأخذها البنك في مقابلة قيامه بهذه المهمة (انظر الموسوعة الفقهية الكويتية-الحوالة- ص232). الوصف الفقهي للتحويلات المصرفية: حاولت الموسوعة الفقهية الكويتية التعرف على الوصف الفقهي الإسلامي للتحويلات المصرفية فكتبت في ذلك بحثا مطولا ناقشت فيه القول بتخريجها على السفتجة(وهي أن يعطي أحد الناس مالا لآخر مع اشتراط القضاء في بلد آخر وذلك لضمان الطريق على سبيل القرض لا على سبيل الأمانة)، المعروفة لدى فقهاء الشريعة فذكرت ما بينهما من تشابه وفروق كما ناقشت القول بتخريجها على القرض أو الوكالة ثم انتهت إلى القول بأن التحويلات المصرفية عملية مركبة من معاملتين أو أكثر وهو عقد حديث بمعنى أنه لم يجر العمل به على هذا الوجه المركب في العهود السابقة ولم يدل دليل على منعه فهو صحيح جائز شرعا من حيث أصله. ونظرا لنفاسة البحث وما فيه من مناقشة لتخريج التحويلات المصرفية على بعض العقود المشابهة لها في الفقه الإسلامي فأرى مناسبة نقله في هذا البحث تحقيقا للفائدة وفيما يلي نصه: الوصف الفقهي: سبق أن أشرنا في بحث (السفتجة) إلى وجه الشبه إجمالا بين السفتجة القديمة والتحويلات المصرفية الحديثة، ولبيان ذلك تفصيلا ينبغي التنبيه إلى أن السفتجة القديمة قد أجازها بعض الفقهاء (على الرغم من الشرط الذي يستفيد به المقرض الأمان من خطر الطريق، وهو شرط التوفية في بلد آخر) فهي وسيلة أجيزت لشدة الحاجة إليها ولم يحل دون جوازها اشتراط الوفاء في بلد آخر. تلك وجوه الشبه أشرنا إليها إجمالا هناك، لكن الناظر إلى هذه التحويلات الحديثة وإلى السفتجة القديمة يرى بينهما فرقا من جهات أربع. الجهة الأولى: أن السفتجة القديمة لا بد ان تكون بين بلدين والتحويل المصرفي تارة يكون كذلك وتارة يكون بين مصرفين في بلد واحد. الجهة الثانية: أن السفتجة القديمة قد يكون المقترض فيها مسافرا أو عازما على السفر، فيوفي هو نفسه أو نائبه إلى المقرض أو إلى مأذونه والتحويل المصرفي ليس فيه ذلك، فالمصرف الأول وهو المقترض لا يوفي بنفسه إلا إذا كان المصرف الثاني الدافع فرعا للأول. الجهة الثالثة: أن المفروض في السفتجة القديمة اتحاد جنس النقد المدفوع عند العقد والمؤدى عند الوفاء. فالآخذ في السفتجة إذا أخذ دنانير من نوع مخصوص وفاها كذلك. وإذا أخذ دراهم من نوع مخصوص وفاها كذلك. فإنهم عرفوا السفتجة بأنها قرض (وقد تتوافر معه فيها عناصر الحوالة) فلو كانت التأدية بنوع آخر لما كانت قرضا، لأن القرض لا بد فيه من رد المثل. والتحويل المصرفي لا يقتصر على هذه الحوالة، فإن المصرف في أغلب الأحيان يأخذ نقودا من نوع ويكتب للمصرف الآخر أن يوفي من نوع آخر، وهذه المعاملة ليست قرضا محضا، بل تشتمل أيضا على صرف أو شبهه على ما سيأتي. الجهة الرابعة: أن الآخذ في السفتجة القديمة لا يتقاضى أجرا اكتفاء بأنه سينتفع بالمال في سفره أو إقامته، فيربح ما يغينيه عن اشتراط أجر لعمله، أما المصرف في التحويل المصرفي فيتقاضى أجرا يسمى: عمولة. وفيما يلي سنتتاول بالبحث والتمحيص كل جهة من جهات الفروق الأربع هذه بين السفتجة الفقهية القديمة والتحويلات المصرفية الحديثة لنرى مقتضاها في الأحكام بالنظر الفقهي الإسلامي. الفرق الأول: كون السفتجة لا تتم إلا بين بلدين، والتحويل قد يتم بين مصرفين في بلد واحد. هذا الفرق لا تأثير له في الحكم الشرعي بالجواز. فإن الذين أجازوا السفتجة بين بلدين أن يجيزوا ما يشبهها بين مكانين في بلد واحد، بل هذه أقرب إلى الجواز، لأن اشتراط الوفاء في بلد آخر كان هو العلة التي جعلت بعض الفقهاء يكرهون السفتجة أو يحرمونها فإذا أجازها المحققون مع وجود هذه الشبهة فإجازتها مع قرب المكانين أولى لأن المقترض حينئذ لا يستفيد سقوط خطر الطريق، فلا يتوهم أنه قرض جر نفعا. الفرق الثاني:كون السفتجة القديمة تشمل صورا مغايرة للتحويل المصرفي، هذا الفرق أيضا لا تأثير له لأن الذين أجازوا السفتجة لم يخصوا الجواز بهذه الصورة المغايرة، فيكفي أن يكون التحويل موافقا للصور الأخرى من السفتجة، فالقائلون بجواز هذه الصور ينبغي أن يقولوا بجواز التحويل الموافق لها. الفرق الثالث: كون السفتجة تجري بنقد واحد، أما التحويل المصرفي فقد يجري بنقد واحد وقد يكون بين جنسين من النقود. هذه جهة فرق جديرة بعناية الباحث، لأن لها تأثيرا، وتحتاج إلى شيء من التحليل والتفصيل: فالتحويل بين مصرفين في بلد واحد أو دولة واحدة إنما يكون بنقد الدولة غالبا فيكون كالسفتجة القديمة بعد اعتبار أن المصرف شخصية اعتبارية، فما في تطبيق السفتجة على المعاملات الشرعية المعروفة يقال في تطبيق هذا النوع من التحويل فهو قرض وتوكيل، أو قرض وحوالة، والتحويل بين مصرفين في دولتين لا يمكن أن يكون بنوع واحد من النقد غالبا، فالذي يريد تحويل دنانير عن طريق مصرف في الكويت إلى مصرف في لبنان مثلا لا بد أن يطلب التحويل إلى ليرات لبنانية بسعر الصرف وقت التحويل وهذا يستدعي ثلاث خطوات ذات أحكام وسنشرحها فيما يلي مبينين وصفها الفقهي خطوة خطوة. أولا: أن يتقدم إنسان للمصرف ويطلب تحويل النقود إلى مصرف آخر: وهذا تمهيد لعقد التحويل، ويبين فيه عادة مقدار النقود، وهل يقصد تحويلها إلى نقود من جنسها أم من غير جنسها؟ وبيان المصرف الذي يراد التحويل إليه وبيان الشخص الذي سيقبض البدل من المصرف الآخر أهو طالب التحويل أم غيره؟ ثانيا: قيام الطالب بدفع النقود إلى موظف المصرف: وهذا بعد سبق الطلب المبين يعتبر إيجابا للتحويل الذي يعد قرضا إن كان المقصود التوفية بمثله من جنسه: فالدافع مقرض والآخذ مقترض من المصرف والدفع إيجاب والأخذ مع ما بعده قبول والمال المدفوع هو محل العقد وكذلك المثل الذي يلتزم به المقترض معطي الصك فإنه العوض، فهذا القرض المستوفي لمقوماته عقد صحيح جائز شرعا حيث خلا من الموانع الشرعية، وما يتخيل مانعا وهو العمولة سيأتي الكلام عليه. وأما إن كان المقصود التوفية بنقد من جنس آخر فهو صرف، ومن شرائط صحة الصرف التقابض ولا تقابض في هذا الصرف، فيلتحق بالربا لعدم التقابض، هذا إذا اعتبرنا الأوراق النقدية نقودا وضعية، وأما إذا اعتبرت سندات على الجهة التي أصدرتها بالقيمة المذكورة فيها من الذهب فإن معاملة التحويل المذكورة بين جنس منه وجنس آخر تعتبر بيع دين دون قبض أصلا في مجلس العقد، لأن ما تم تسليمه من أحد الجانبين هو سند (صك) بمبلغه وليس نقدا، فهل من حل؟ فنقول جوابا عن ذلك: 1 - إننا نعتبر الأوراق النقدية المذكورة من قبيل النقود الوضعية لا من قبيل الأسنادالمعترف فيها باستحقاق قيمتها على الجهة التي أصدرتها من دولة أو مصرف إصدار، وإن كانت هذه الصفة الأخيرة هي أصلها ومنطلق فكرة إحلال الأوراق النقدية المعروفة بين الناس باسم (بنكنوت) محل النقود الذهبية والفضية في التداول أخذا وعطاء ووفاء ذلك لأن الصفة السندية فيها قد تنوسيت بين الناس وفي عرفهم العام وأصبحوا لا يرون في هذه الأوراق إلا نقودا مكفولة حلت محل الذهب في التداول تماما، وانقطع نظر الناس إلى صفة السندية في أصلها انقطاعا مطلقا، تلك الصفة التي كانت في الأصل حين ابتكار هذه الأوراق لإحداث الثقة بها بين الناس لينتقلوا في التعامل مع الذهب إليها حيث يعلمون أن لها تغطية ذهبية في مركز الإصدار وأنها سند على ذلك المركز بقيمتها مستحق لحامله يستطيع قبضه ذهبا متى شاء. هذا أصلها أما بعد أن ألفها الناس وسالت في الأسواق تداولا ووفاء من الدولة وعليها بين الناس ولمس المتعاملون بها مزيتها في الخفة وسهولة النقل، فقد تنوسي-كما ذكرنا- فيها هذا الأصل السندي واكتسبت في نظر الجميع واعتبارهم وعرفهم صفة النقد المعدني وسيولته بلا فرق فوجب لذلك اعتبارها بمثابة الفلوس الرائجة من المعادن غير الذهب والفضة، تلك الفلوس التي اكتسبت صفة النقدية بالوضع والعرف والاصطلاح حتى إنها وإن لم تكن ذهبا أو فضة لتعتبر حسب القيمة التي لها بمثابة أجزاء للوحدة النقدية الذهبية التي تسمى: دينارا أو ليرة أو جنيها ذهبيا، بحسب اختلاف التسمية العرفية بين البلاد للوحدة من النقود المسكوكة الذهبية. هذه حال الفلوس الرائجة من المعادن المختلفة غير الذهب والفضة بالنظر الشرعي، وهو الصفة التي يجب إعطاؤها في نظرنا للأوراق النقدية(البنكنوت) فتبديل جنس منها كالدينار الكويتي الورقي أو الليرة السورية أو اللبنانية مثلا بجنس آخر كالجنيه المصري أو الإسترليني أو الدولار الأمريكي مثلا يعتبر كالمصارفة بين الذهب والفضة والفلوس المعدنية الرائجة على السواء. والقاعدة الفقهية في هذه المصارفة أنه عند اختلاف الجنس يجوز التفاضل في المقدار بين العوضين ولكن يجب التقابض في المجلس من الجانبين، منعا للربا المنصوص عليه في الحديث النبوي. وبهذا التخريج يستبعد اعتبار عملية التحويل المصرفي بين جنسين من هذه الأوراق من قبيل بيع الدين بالدين وإنما هي مبادلة بين نقود فيها تحويل وصرف في وقت واحد. 2 - بناء على ما سبق نقول: إن اعتبار الأوراق النقدية كما ذكرنا(نقودا وضعية اصطلاحية) يقتضي في التحويل من جنس إلى آخر منها أن يتم تقابض العوضين في مجلس التحويل نظرا لأن هذا التحويل بين جنسين من هذه النقود يتضمن مصارفة والصرف يشترط لصحته التقابض وهذا يقتضي أن يدفع طالب التحويل إلى المصرف الأوراق النقدية التي يحملها وأن يصرفها بالأوراق النقدية من الجنس الآخر المطلوب ويقبضها بالفعل من المصرف، ثم يسلمها إليه قرضا ليوفيه في البلد الآخر من هذا الجنس الثاني، أي يجب فك عملية التحويل بين جنسين مختلفين من هذه الأوراق إلى عمليتين: مصارفة أولا يقع فيها التقابض، وسفتجة ثانيا يدفع فيها مبلغ من جنس ويستوفى نظيره من الجنس نفسه في البلد الآخر. هذا ما يستوجبه في الأصل عنصر المصارفة في عملية التحويل المصرفي بين جنسين ولكن هذه التجزئة العملية لا تقع فعلا بين طالب التحويل والمصرف الوسيط وإنما يدفع طالب التحويل إلى المصرف المبلغ المراد تحويله من نقود البلد الذي هو فيه فيقوم المصرف بتسلميه إيصالا به مع صك (شيك) يتضمن حوالة على مصرف في البلد الآخر بما يعادل هذا المبلغ من نقود البلد المطلوب التحويل إليه، فيرسل طالب التحويل هذا الشيك إلى الشخص المحول باسمه أو الذي حرر الشيك لأمره ليقبضه هناك من المصرف المحول عليه. فإذا نظرنا إلى أن الشيكات تعتبر في نظر الناس وعرفهم وثقتهم بمثابة النقود الورقية وأنها يجري تداولها كالنقود تظهيرا وتحويلا وأنها محمية في قوانين جميع الدول، من حيث إن سحب الشيك على جهة ليس للساحب فيها رصيد يفي بقيمة الشيك المسحوب يعتبر جريمة تعاقب عليها قوانين العقوبات في الدول جميعا، وإذا نظرنا إلى هذه الاعتبارات يمكن القول معها بأن تسليم المصرف الوسيط شيكا بقيمة ما قبض من طالب التحويل يعتبر بمثابة دفع بدل الصرف في المجلس أي أن قبض ورقة الشيك كقبض مضمونه فيكون الصرف قد استوفى شريطته الشرعية في التقابض. ثالثا: إعطاء المصرف لطالب التحويل صكا (شيكا) بالمبلغ المطلوب: فهذا الإعطاء إما أن يكون مسبوقا بإعطاء النقود أو غير مسبوق كما تقدم في الخطوة الثانية وأيا ما كان فهو من تتمة قبول التحويل الذي هو عملية مركبة، ولكن لو لاحظنا على انفراد لكان له وصف شرعي يختلف بحسب سبقه بدفع النقود وعدم سبقه بذلك: أ - فإن كان مسبوقا بإعطاء النقود التي اعتبرت مقترضة احتمل كونه حوالة أو وكالة: وتصوير الحوالة أن يقال: إن المصرف الذي أصبح مدينا بدين القرض قد أحال دائنه- الذي أعطى النقود وأصبح مقرضا- على المصرف الآخر ليدفع الدين الذي هو بدل القرض إلى ذلك الدائن، أو إلى الشخص الذي عينه وكتب اسمه في الصك. وتصوير الوكالة أن يقال: إن المصرف الآخذ قد وكل المصرف الثاني في دفع المبلغ المذكور في الصك إلى من ذكر اسمه فيه سواء أكان هو الطالب أم الشخص الآخر الذي عينه وهذا التوكيل مصرح في الصك بما يدل عليه، وإنما سلم هذا الصك لطالب التحويل تمكينا له من استيفاء حقه، وأن اعتبار ذلك وكالة بهذا التصوير الثاني هو الأقرب وعليه يكون وكالة جائزة شرعا وتكون عملية التحويل مركبة من قرض ووكالة إذا استوفى المحول بنفسه، أو من قرض ووكالتين إذا كان المستوفي هو الشخص الآخر الذي عينه المحول فهو وكيله في الاستيفاء، وإنما قلنا إن تقدير الوكالة هنا أقرب من تقدير الحوالة لأن الحوالة الشرعية ثمرتها براءة ذمة المحيل من الدين، وليست للتحويل المصرفي هذه الثمرة لأن المصرف الآخذ يبقى مدينا بدين القرض ولا يبرأ منه إلا بتوفية المصرف الآخر، يضاف إلى ذلك أن المصرف الثاني قد يكون غير مدين للمصرف الأول فلا يصح أن يكون محالا عليه شرعا عند الجمهور إلا على أساس الحوالة المطلقة عند الحنفية ومن معهم وأن الوكالة خالية من هذين الإشكالين، فالتخريج عليها يكون أولى وأرجح غير أنه قد يقال: إن الوكالة يجوز فيها رجوع الموكل ورجوع الوكيل وهذان الأمران ليسا من صفات التحويل المصرفي. وجوابا على هذا الإيراد نقول: إن الوكالة هنا ليست عقدا منفردا معقودا بصورة مقصودة مباشرة وإنما حللنا إليها عقد التحويل الذي هو عقد مركب من إقراض وشرط، وهذا الشرط ينحل إلى وكالة فهي وكالة مشروطة من جانب طالب التحويل، فتكون وكالة تعلق بها حق الغير فلا يجوز رجوع الموكل فيها ولا الوكيل بعد القبول، ومن جهة أخرى يلحظ أيضا أن المصرف قد استوفى عمولة على هذه العملية فهي وكالة بأجر فلا يجوز الرجوع فيها. ب - وإن لم يكن إعطاء الصك مسبوقا بدفع المبلغ المطلوب تحويله فلذلك حالتان: الحالة الأولى : أن يكون للطالب في المصرف حساب جار دائن. 1 - فإن كان المطلوب تحويل النقود إلى نقود من جنسها، كدنانير كويتية فحينئذ يكون إعطاء الصك توكيلا من المصرف للطالب بقبض المبلغ المبين في الصك ليستوفيه من الدين الذي له على المصرف، وقد استغنى عن تقدير القرض لأن الدين السابق قام مقامه. 2 - وإن كان المطلوب التحويل إلى نقود من غير جنسها، كدنانير كويتية إلى ليرات لبنانية أو غيرها كان طلب التحويل إيجاب مصارفة بين بعض النقود التي للطالب في حسابه الدائن لدى المصرف والمبلغ المطلوب من النقود الأخرى وكان تسليم الصك(الشيك) للطالب قبولا للمصارفة وتوكيلا من المصرف بالقبض قام مقام التقابض الواجب شرعا في مجلس عقد الصرف لأن هذا الصك (الشيك) عرفا في حكم النقد. الحالة الثانية: ألا يكون للطالب في المصرف حساب دائن: فإن كان يريد تحويل النقود إلى نقود من جنسها كان الطلب التماسا للتوكيل في القرض كأنه يقول للمصرف: التمس منك أن توكل المصرف الثاني في دفع مبلغ كذا إلي أو إلى فلان ليحتسب لك قرضا علي. وحينئذ يكون إعطاء الصك توكيلا للمصرف الثاني أن يدفع للشخص المعين في الصك المبلغ المبين مقداره فيه. فإذا قام المصرف الثاني بالدفع إلى هذا الشخص صار هذا المصرف الثاني دائنا للمصرف الأول بالمبلغ ما لم يكن له- أي للمصرف الأول- عنده حساب دائن، ويصير المصرف الأول دائنا لطالب التحويل ما لم يكن قد قام بدفع المبلغ إليه قبل قيام المصرف الآخر بدفع ما في الصك. وإن كان يريد تحويل النقود إلى نقود من غير جنسها- والمفروض أن طالب التحويل ليس له في المصرف حساب دائن ولم يدفع النقود في المجلس- فحينئذ يعد طلب التحويل التماسا للتوكيل بالقرض(كما سبق بيانه) أي أن يقوم المصرف الأول بتوكيل المصرف الثاني في البلد الآخر بأن يدفع إلى الطالب (أو إلى من يعينه) المبلغ المطلوب من نقود ذلك البلد الآخر ليحتسب دينا على الطالب. ويعتبر تسليم الصك إلى الطالب قبولا وتنفيذا للتوكيل بالإقراض. فيصبح طالب التحويل مدينا للمصرف الأول بمبلغ الصك من نقود ذلك البلد متى تم قبضه هناك، ثم حين يوفى للمصرف قيمته من نقود الجنس الآخر(النقود المحلية) يعتبر ذلك الوفاء مصارفة بين ما للمصرف في ذمته من النقود الأجنبية وما يوفيه الآن من النقود المحلية، ويتحقق بذلك شرط التقابض في بدلي الصرف لأن أحدهما في الذمة مقبوض والآخر يدفع الآن في مجلس الصرف. الفرق الرابع والأخير: بين السفتجة القديمة والتحويل المصرفي اليوم: وهو أن المصرف يأخذ عمولة من طالب التحويل من المبلغ المطلوب تحويله ولا يوجد هذا في عملية السفتجة القديمة التي تكلم عنها الفقهاء. فنقول في هذا الفرق: إن في هذه العمولة أشكالا بحسب الظاهر، لا سيما إذا قلنا إن العملية من قبيل القرض وقد نص بعض الفقهاء على أنه لا يجوز في القرض اشتراط يجر نفعا للمقترض كما لا يجوز اشتراط يجر نفعا للمقرض. ولكن شرط جر النفع للمقرض يعتبر ربا وشرط جر النفع للمقترض يعتبر زيادة إرفاق من المقرض للمقترض فيكون وعدا حسنا، ولا يلزمه تنفيذه اكتفاء بأصل الإرفاق. على أن بعض الحنابلة أجازوا في القرض اشتراط دفع المقترض أقل مما أخذ. كما لو قال: أقرضك مائة دينار على أن تردها لي تسعة وتسعين، فيجو ذلك لأنه زيادة إرفاق بالمقترض، وقد التزمه المقرض فيلزمه. وليس للإرفاق حد يجب الوقوف عنده، ولا سيما أن هذا الشرط مضاد للربا ففي التزامه تأكيد التبري من الربا، فهذا القول عند الحنابلة جيد جدا ويسعف في تخريج العمولة عليه. ثم إن بين المعاملات التي يقوم بها الأفراد والمعاملات التي تقوم بها المصارف فرقا شاسعا فالمقترض في السفتجة القديمة لا يقوم بعمل للمقرض ولا يتحمل مئونة، لأنه إن كان مسافرا فهو مسافر لحاجة نفسه، وغالبا ما يتجر في بلده أو في طريقه أو في البلد الذي يصل إليه وقد أصبح المال الذي اقترضه ملكا له، فأرباحه كلها تخصه، وما صنع شيئا للمقرض سوى كتابته الصك، ثم توفية الدين له أو لصديقه مثلا. أما المصرف الذي اعتبر مقترضا في عملية التحويل فيختلف عن المقترض في السفتجة، فهو شخصية اعتبارية تجمع موظفين وعمالا يتقاضون رواتب شهرية غير مرتبطة بالعمل قلة وكثرة، ويتخذ مقرا مجهزا بأثاث وأدوات وآلات كثيرة لاستقبال العملاء وقضاء حاجاتهم، ثم إن العملية ليست كتابة ورقة فحسب وإنما هي إجراءات كثيرة ذات كلفة مالية فلو لم يأخذ عمولة لما استطاع تغطية النفقات الطائلة التي ينفقها، فاشتراط العمولة محقق للعدالة ومتفق مع أصل التشريع الإسلامي، وليس هناك نص أو إجماع على منع مثل ذلك. النتيجة: والنتيجة التي تستخلص من كل ما سبق من كلام عن التحويلات المصرفية اليوم هي أن التحويل المصرفي أو البريدي عملية مركبة من معاملتين أو أكثر، وهو عقد حديث، بمعنى أنه لم يجر العمل به على هذا الوجه المركب في العهود السابقة، ولم يدل دليل على منعه، فهو صحيح جائز شرعا من حيث أصله بقطع النظر عما يحيط به من مواد قانونية يجب لمعرفة حكمها استقصاؤها تفصيلا ودراستها للحكم فيهااهـ(الموسوعة الفقهية الكويتية-الحوالة ص 225-235). وقد بحث مسألة قبض الشيك وأنه قبض لمحتواه مجموعة من علماء الشريعة والاقتصاد منهم الدكتور علي السالوسي والدكتور سامي حمود والأستاذ سفر الجعيد وغيرهم وكلهم اتفقوا على أن قبض الشيك قبض لمحتواه وقد صدرت فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بذلك وفيما يلي ذكر أقوالهم. فقد جاء في كتاب الدكتور علي السالوسي(استبدال النقود والعملات) في معرض رده على الشيخ حسن أيوب حيث كان حسن أيوب يرى أن الأوراق النقدية عروض تجارة فرد عليه جزاه الله خيرا وذكر في رده أن الشيك ينقل الملكية في الحال وأنه قبض لمحتواه وذكر رأي بعض علماء الاقتصاد ومنهم الدكتور يوسف إبراهيم فقال: الشيك والقبض قال الشيخ: (كان الأولى أن تطلب التوبة بشجاعة من نفسك ومن القائلين بأن الشيك يكفي عن قبض الأوراق المالية ..إلخ). وأقول: عاد الشيخ للحديث عن الشيك والقبض وأحب أن أسأله لو أن الشيك لا يكفي عن القبض فما النتيجة؟ أنبحث عن حل آخر أم نقول: إن هذه النقود ليست من الأموال الربوية؟. عندما كان المسلم يذهب إلى عبد الله بن الزبير في مكة، ويعطيه نقودا، ويأخذ سفتجة يتسلم بها ما يقابل هذه النقود من أخيه مصعب في العراق، فأين القبض هنا؟ أليست السفتجة قد قامت مقام القبض؟. الا يقوم الشيك بما قامت به السفتجة؟ ألا يعني الشيك نقل الملكية في الحال؟ فالشيك إذن قام بدور السفتجة أو أكثر ولا يمكن أن يكون أقل منها في أداء وظيفة القبض. قال صاحب المغني(الحوالة بمنزلة القبض) 556. وقال أيضا(الحوالة كالتسليم)569. ونص على هذا أيضا صاحب الشرح الكبير(انظر95869). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وتارة باللغة كالشمس والقمر والبر والبحر، وتارة بالعرف كالقبض والتفريق). (مجموع الفتاوى 29448). فإذا كان القبض مرده إلى العرف فإن الشيك هو الأداة الرئيسية التي تنتقل بها ملكية النقود المودعة في الحسابات الجارية بالمصارف، وإذا تعارف الناس على نقل هذه الملكية بالتلكس مثلا، ألا يكون هذا قبضا في عرفهم؟ ويمكن أن يتوصل الناس إلى وسائل أخرى تنتقل بها ملكية النقود فتقوم هذه الوسائل مقام قبض النقود ذاتها. ولقد عرضت هذا الأمر على عدد من الاقتصاديين، ورجعت إلى كتب آخرين فما وجدت ما يمنع جعل الشيك يقوم مقام القبض، بل وجدت من يعتبر الشيك نقودا بالفعل، وممن طلبت رأيهم بالفعل في هذا الموضوع بعض الأسا

علِّق

comments powered by Disqus