#عمران_خان هل يجد دوراً له في اللعبة الإقليمية الكبرى؟

إسلام آباد/ تصريحان مهمان، من شأنهما أن يؤثرا أبلغ الأثر على لقاء رئيس الوزراء الباكستاني الجديد عمرن خان مع وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية مايك بومبيو في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، الشهر المقبل. وفي واقع الأمر، يعكس هذان التصريحان حالة التوتر الأساسية القائمة ما بين الحليفين الكبيرين السابقين في الحرب على الإرهاب.

التصريح الأول عبارة عن تأكيد من جانب رجل الخارجية الأميركية الأول، الذي أدلى به في مقابلة مع إحدى القنوات الإخبارية الأميركية، معارضاً وبشدة حزمة الإنقاذ المالي من قبل صندوق النقد الدولي للاقتصاد الباكستاني المتدهور للغاية، الذي من دونها سوف تشرف باكستان فعلياً على حافة إعلان العجز الدولي.

وقال بومبيو في تصريحه العلني: «من دون أية أخطاء، لسوف نراقب ما سيفعله صندوق النقد الدولي في هذا الصدد. وليس هناك مبرر يسوِّغ نقل أموال الضرائب من صندوق النقد الدولي، وما يرتبط بها من الأموال الأميركية التي هي جزء لا يتجزأ من تمويل الصندوق، لإنقاذ أولئك الذين يؤيدون أو يملكون السندات الصينية أو إلى الصين ذاتها».

أما التصريح الثاني، فقد خرج في صورة تغريدة على حساب رئيس الوزراء الباكستاني الجديد عمران خان على موقع «تويتر» أعرب فيها عن دعمه الكامل للرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي تشهد حكومته في الآونة الراهنة حالة من التوتر العميق مع واشنطن.

وأكد خان، في تغريدته الأخيرة، للرئيس التركي والشعب التركي أنه «بالنيابة عن الشعب الباكستاني، أود من الرئيس إردوغان ومن الشعب التركي أن يعرف أننا ندعو إليهم في صلواتنا من أجل نجاحهم في تجاوز التحديات الاقتصادية العصيبة التي يواجهونها، كما نجحوا تماماً من قبل في وجه الشدائد والصعاب التي مرَّت بهم عبر تاريخ بلادهم المجيد».

وكان خان شديد الحرص على عدم ذكر الولايات المتحدة الأميركية في تغريدته، ولكن يمكن لأي شخص متابع للأحداث أن يدرك المعنى الضمني المفهوم من الرسالة: الدعم الباكستاني الكامل لتركيا في مواجهة الولايات المتحدة.

وتمثِّل حالة العداء الجوهرية التي يعكسها هذان التصريحان التوترات العميقة الراهنة في العلاقات الباكستانية الأميركية، منذ تولي الرئيس دونالد ترمب مقاليد الحكم في واشنطن.

إن دعم خان لحركة طالبان في الماضي ومعارضته الشديدة لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة من استخدام القوة العسكرية المطلقة تحقيقاً لمراميها الاستراتيجية لم تقربه قط من صناع السياسات الخارجية في العاصمة الأميركية.

وليس من المستغرب أن المجاملات التي استهلَّت بها واشنطن فوزه برئاسة وزراء باكستان لم تُفلح في إخفاء مشاعر الكراهية التي يكنّها صُنّاع السياسات في واشنطن حيال الحكومة الباكستانية الجديدة، وذلك عندما أعرب وزير الخارجية الأميركي عن استيائه من احتمال قيام صندوق النقد الدولي بتنفيذ خطة الإنقاذ المالي إلى باكستان.

بيد أن هناك جانباً آخر لهذا الواقع السياسي غير السري: وهو أن رئيس الوزراء الباكستاني وحكومته الجديدة قد يتحولان إلى مجرد قطعة في أحجية الصورة المتقطعة الكبيرة في تلك المنطقة.

وهناك خبراء من الأمن والدفاع في إسلام آباد يزعمون أن ذلك من بين الأسباب التي تجعل من عمران خان يجد نفسه قاطناً منزل رئيس وزراء البلاد في باكستان هي أصوله البشتونية؛ فلقد كانت المؤسسة العسكرية الباكستانية في حاجة ماسَّة إلى رئيس للوزراء من أصول بشتونية من أجل إحكام السيطرة على القلاقل المتنامية بين السكان ذوي الأصول البشتونية في باكستان بعدما (كما يزعمون) تمكن الجيش الباكستاني من كسر شوكة المسلحين البشتون (أي حركة طالبان) في حزام البشتون من البلاد. وهذا يتسق تماماً مع المطلب الأميركي بأن تلعب باكستان دورها في جلب حركة طالبان الأفغانية إلى مائدة مفاوضات السلام.

وعلى الصعيد المحلي، فإن نفوذ شخصية عمران خان وشعبيته الكبيرة لدى جموع طائفة البشتون ونفوذ الدوائر العسكرية الباكستانية عند حركة طالبان الأفغانية تعتبر من بين الأصول الاستراتيجية ذات الأهمية. ومن شأن هذين الأصلين المهمين أن يفيدا كثيراً في معرض الجهود الأميركية الرامية إلى تسوية النزاع الأفغاني باستخدام أدوات أخرى غير الوسائل العسكرية.

ومن فترة ليست بالطويلة بدا أن الجيش الباكستاني قد عقد العزم على الابتعاد التام عن الفلك الأميركي. رغم وجود تغيير طفيف في مدركات روالبندي وإسلام آباد بقدر ما يتعلق الأمر بالعلاقات مع واشنطن.

وقد أشارت بعض الشخصيات النافذة إلى أن الافتراق التام عن واشنطن ليس من شأنه أي يفضي إلى حل أي من المشكلات السياسية الخارجية لدى باكستان. كما أن المؤسسة السياسية الباكستانية تعتقد أنها قد فرّت بالكاد من التداعيات السلبية لسياسات الهند العدائية الرامية إلى عزل باكستان على الصعيد الدولي في أعقاب الهجمات الإرهابية التي طالت الجيش الهندي في إقليم كشمير العام الماضي.

وأخيراً وليس آخراً، كانت واشنطن دائماً ما تسارع إلى نجدة إسلام آباد المتعطشة دوما إلى السيول النقدية، وذلك كلما حاولت الأخيرة الحصول على المساعدات المالية من المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي.

ويبدو أن الشكوى الباكستانية الرئيسية ضد واشنطن تتعلق بقرارها منح الهند دوراً استراتيجياً مؤثراً في أفغانستان، الأمر الذي أوجد سيناريو مزدوج الوجهة بالنسبة لباكستان، وهو الموقف الذي ظل القادة السياسيون والمخططون العسكريون في إسلام آباد يتفادون مواجهته منذ الغزو الأميركي لأفغانستان في عام 2001.

وصرح خبير باكستاني من ذوي الصلات الوثيقة بالمؤسسة العسكرية في البلاد لصحيفة الشرق الأوسط يقول إن نيودلهي وواشنطن قد توصلتا معاً، إبان زيارة وزير الدفاع الأميركي الأخيرة للهند، إلى تفاهم يتعلق بمنح الهند دوراً بارزاً في تشكيل القوات المسلحة الأفغانية.

وتعتقد بعض العناصر الأكثر هدوءا وعقلانية في إسلام آباد أن العلاقات بين الدول ليست مجرد لعبة ذات محصلة صفرية النتائج، وأن العلاقات الاستراتيجية الثلاثية الناشئة بين أفغانستان والهند والولايات المتحدة لا ينبغي لها أن تشكل عقبة على طريق باكستان لتطوير علاقات العمل الأكثر ارتباطاً مع كل من واشنطن وكابل.

وفي الماضي، أظهر الجيش الباكستاني دلائل على أنه يمكنه الاستمرار من دون المساعدات العسكرية الأميركية. وعلى سبيل المثال، أعاد الجيش الباكستاني أغلب المستشارين العسكريين الأميركيين الذين كانوا يشرفون على تدريب التشكيلات العسكرية الباكستانية على عمليات مكافحة التمرد والإرهاب، وذلك في أعقاب اقتحام مفرزة من القوات الخاصة الأميركية داخل المجال الجوي الباكستاني... وأغارت على منزل في مدينة أبوت آباد، وهي العملية التي أسفرت عن اغتيال زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في 2 مايو (أيار) من عام 2011. غير أن هذه القطيعة لم تدم طويلا وسرعان ما عاد برنامج المساعدات العسكرية الأميركي إلى سابق عهده.

ومن الناحية السياسية، فإن النخبة الحاكمة في باكستان تعتمد بشكل كبير على مختلف الوزارات والوكالات الأميركية في الحفاظ على قبضتها على هياكل السلطة في البلاد. وصار هذا واضحاً خلال فترة الحاكم العسكري الأسبق الجنرال برويز مشرف عندما شرع الدبلوماسيون الأميركيون في السيطرة على آليات النظام السياسي الفعلي في باكستان. وكان هذا هو الوقت الذي لعب الدبلوماسيون الأميركيون والبريطانيون دور الوسطاء بين القادة العسكريين الباكستانيين ورئيسة الوزراء الباكستانية الراحلة بي نظير بوتو زعيمة حزب الشعب الباكستاني في ترتيب الصفقة السياسية غير السرية التي أسفرت عن عودة بي نظير بوتو إلى باكستان من منفاها في العاصمة البريطانية لندن. ثم وصف الأمر بأنه كمثل الزواج بين قوة ونفوذ المؤسسة العسكرية الباكستانية وشعبية بي نظير بوتو الكبيرة، التي كانت تحت رعاية وإشراف وزارة الخارجية الباكستانية.