القضاء يزيد الضغوط على #الرئيس_الأميركي... وعزله مستبعد

لندن/ بعد 24 ساعة من توجيه تهم ثقيلة لبول مانافورت مدير حملة دونالد ترمب الانتخابية السابق، واعتراف مايكل كوهين محامي الرئيس الأميركي بانتهاك قانون تمويل الحملات الانتخابية بطلب من موكله، لا تزال الفضائيات منهمكة في البحث عن أوجه الشبه بين التطورات الأخيرة وفضيحة «واترغيت»، فيما يتناوب الخبراء القانونيون على النشرات الإخبارية لبحث احتمال بدء إجراءات العزل بحق الرئيس ترمب.

في غضون ذلك، اختار ترمب التعليق على «الدراما القانونية» التي أصبح بطلها من خلال سلسلة تغريدات، اعتبر فيها أن محاميه السابق مايكل كوهين لجأ لـ«اختلاق قصص» بهدف الحصول على صفقة لتخفيف التهم الموجهة إليه. في المقابل، أشاد الرئيس بمدير حملته السابق بول مانافورت الذي لم يتعاون مع المحققين الفيدراليين، ووصفه بـ«الرجل الشجاع جدا».

وقلّل ترمب من أهمية التهم الموجهة لكوهين بانتهاك قانون التمويل الانتخابي واعتبر أنها «ليست جرائم»، كما كرر أن التحقيق الذي يقوده المدعي الخاص روبرت مولر حول تدخل روسيا في حملة الانتخابات الأميركية ليس سوى «مطاردة ساحرات». ورغم أهمية التطورات القضائية الأخيرة والاهتمام البالغ بها في أروقة الكونغرس، فإن تأثيرها الفعلي على رئاسة ترمب يبقى محدودا حتى الآن، كما أن احتمال إقناع المشرعين بعزله غير متوقع.

وقد يتغيّر ذلك إن كشف كوهين، التي عبر عن استعداده للتعاون مع تحقيق مولر، عن حقائق جديدة وقابلة للتحقق حول تواطؤ محتمل لحملة الرئيس مع روسيا.

أوضح جاكوب باراكيلاس، نائب مدير برنامج الولايات المتحدة والقارة الأميركية في معهد «تشاتهام هاوس»، لـ«الشرق الأوسط»، أن إدانة مانافورت وهو أبرز مسؤول في حملة ترمب الانتخابية توجّه له تهم (إلى جانب مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين)، واعتراف كوهين في الوقت ذاته يشكلان تطورا مهما لأنهما صدرا عن محكمتين مختلفتين. 

ذلك أن مانافورت يمثل أمام محكمة في الدائرة الشرقية لفرجينيا، في إطار التحقيق الذي يقوده روبرت مولر، فيما تعدّ محاكمة كوهين منفصلة عن هذا التحقيق بعد أن أحال مولر القضية إلى سلطات مكتب التحقيق الفيدرالي في مانهاتن. 

واعتبر باراكيلاس أنه «نظرا لطبيعة القضايا المختلفة المرفوعة ضد مولر وكوهين وغيرهما، فإن تدخل الرئيس لإنهاء تحقيق المحقق الخاص لن يضع حدا للاتهامات الموجهة إليه. فهو يحتاج إلى إغلاق وزارة العدل بالكامل لتحقيق ذلك، وهو أمر محال».

بدوره، رأى حسين إبيش، كبير الباحثين في معهد دول الخليج العربي في واشنطن، أن اعتراف كوهين بانتهاك قانون تمويل الحملات الانتخابية تنفيذا لتوجيهات ترمب، وبالتالي دخوله السجن يشكّل سابقة تاريخية، إذ لم يسبق أن سُجن مساعد للرئيس لارتكابه جريمة متعلقة مباشرة بالرئاسة.

في المقابل، استبعد باراكيلاس إمكانية تأثير هذه القضايا أو غيرها على ترمب وهو في الرئاسة». ويرى باراكيلاس أن هناك طريقتين فقط لعزل الرئيس، وفرص نجاح كلتيهما متدنية للغاية. الأولى تمر عبر إطلاق عملية عزل الرئيس في الكونغرس الأميركي، وهو ما لم يلق صدى كبيرا بين الديمقراطيين حتى الآن، فيما يرفض الجمهوريون الفكرة تماما في الوقت الراهن. وفي حال نجح الديمقراطيون في استعادة مجلس النواب بعد الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني)، وبرزت قضايا جديدة تورّط الرئيس ترمب، قد يرضخ الديمقراطيون للضغوط السياسية ويطلقون إجراءات العزل التي تتطلب المصادقة عليها موافقة غالبية النواب، أي (50 +1). بعد المصادقة عليها، يمر مشروع قرار العزل إلى مجلس الشيوخ، حيث تتطلب المصادقة غالبية الثلثين، وهو ما يستبعد حصوله حتى إن نجح الديمقراطيون في السيطرة على المجلس بعد التجديد النصفي، إذ إنهم سيحتاجون إلى 17 سيناتورا جمهوريا على الأقل.

ورأى باراكيلاس أن هذا النوع من الإجراءات وشعبيتها يعتمد إلى حد كبير على الجو السياسي الطاغي في البلد. وذكّر بالفرق بين إجراءات عزل الرئيسين نيكسون وكلينتون. ففي حال الأول، قرر نيكسون الانسحاب لإدراكه انقلاب غالبية نواب حزبه ضده، أما كلينتون فقرر مواجهة الكونغرس ونجح في ذلك (عزله مجلس النواب، لكن مجلس الشيوخ رفض عزله).

ولفتت إيما لاهي، الباحثة السياسية في جامعة «جورج واشنطن»، في هذا الإطار، إلى أن الجمهوريين سيواجهون ردا عنيفا من مؤيدي ترمب الأكثر حماساً إن قرر بعضهم الانضمام إلى جهد الديمقراطيين. واعتبرت في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «دعم الناخبين الجمهوريين على المدى القصير هو بمثابة سياسة تأمين للرئيس ترمب، تسمح له بالحفاظ على قبضته القوية على الرئاسة، إذ انطبق الشيء نفسه على الرئيس نيكسون في عام 1973 ومعظم عام 1974، أما إذا ما تآكل الدعم الجمهوري لترمب (كما حصل مع نيكسون قبل استقالته)، فإن ناخبي الحزب قد ينظرون إلى نائبه مايك بنس كبديل جيد لإدارة المكتب البيضاوي».

أما الطريقة الثانية لعزل ترمب، وفق باراكيلاس، فهي عبر تفعيل التعديل الـ25 في الدستور الأميركي، أي توجيه تهم جنائية للرئيس خلال ولايته، وهو سيناريو مستبعد ولا سوابق تاريخية له.

ويتفق إبيش مع هذا الرأي، ويرى أنه في حال سيطر الديمقراطيون على مجلس النواب في نوفمبر، فإنهم سيبدأون إجراءات العزل. لكنه اعتبر في تصريحات أدلى بها لـ«الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني أن ولاء المشرعين الجمهوريين في الكونغرس لترمب قوي وأنهم «ملتزمون تماماً للرئيس، ولن تنجح أي اتهامات جديدة، خاصة إن تعلقت بانتهاك قانون تمويل الحملات الانتخابية، في إقناعهم بالموافقة على عزله من منصبه».

في المقابل، اعتبر إبيش أن هذه الاتهامات إن لم تنجح في التأثير على ترمب وهو في منصبه، فإنها ستؤثر بكل تأكيد على فرص ترشحه لولاية ثانية. لكن إبيش استدرك بالقول إن «ترمب سياسي غير مسبوق، ولا تنطبق عليه معظم القواعد. كان انتخابه للمرة الأولى خارقا للعادة، وعانى من عدد قياسي من الفضائح السياسية التي كانت ستقضي على مسيرة معظم السياسيين». وأضاف أنه في حالة ترمب، لا يمكن استبعاد أي شيء، فقد يتجاوز الرئيس الأميركي هذه الأزمة وينتخب لولاية ثانية.

وفي حال لم ينتخب ترمب لولاية ثانية، فإنه قد يجد نفسه أمام متابعة قضائية محتملة، إلا إذا برزت معلومات جديدة أو تمتع بعفو رئاسي من خلفه في البيت الأبيض، كما كان الأمر مع نيكسون الذي حظي بعفو من جيرالد فورد.