جاسوس في خندق الثعالب!

حرب باردة تدور طواحينها بين عواصم أميركية وأوروبية مع روسيا، وكأن دوائر الأزمات عادت ولكن بصورة تكتل حلف الأطلسي، ضد عدو بلا أيدلوجيا أو حلفاء، ولكنه يريد أن يضع له بصمة في ميادين القوة، وهي المسألة الحساسة..

فروسيا، كما يزعم الغرب، تخطت الأعراف باختراق مواقع أمنية، وتدخلت في مسار الانتخابات الأميركية، وأضافت مشكلة معقدة بتسميم الجاسوس الروسي المزدوج، وهو ما حرّك البرود البريطاني في سحب الهيئات الدبلوماسية لترد روسيا بفعل مساوٍ لما قامت به حكومة لندن، ليتبعها معظم الحلفاء باتخاذ نفس الإجراء..

«سيرجي سكريبال» ليس الوحيد كجاسوس تسبب في طرد الدبلوماسيين بين جميع الأطراف، فبريطانيا قدّمت شواهدها للجنة عالمية باستعمال المواد الكيماوية، لكن روسيا هل تكون مشاركاً في التحقيقات، حتى بعد رفع القضية لمجلس الأمن التي صورت أن هناك انتهاكاً لسيادة بريطانيا، وهذا ما دوّل الموضوع، لكن قد لا ينتهي الوضع عند حدود الجاسوس، فهناك تقاسم نفوذ بين هذه القوى، وربما أن بروز سطوة الروس بتمددهم على أراضي أوكرانيا، وتورطهم بسورية، وتحالفهم مع تركيا وإيران، ثم تصعيد لهجتهم بتصنيع أسلحة سابقة على ما يملكه الأطلسي، كذلك صعود اليمين الأميركي برئاسة الرئيس ترمب، يوجز الموضوع بأنه لا مجال لقبول مناكفات الروس، وأن مبرر حادث الجاسوس ليكون ميداناً لاختبار القوة الدبلوماسية، والسياسية، وإبعاد الخيار العسكري، لأنه يعيدنا إلى التدمير المتبادل وهو ما لا يقبله الجميع..

ما يجري أزمة، أم بداية مقاطعة اقتصادية وسياسية، أم أن اعتبارات للمصالح ستطغى على هذه التطورات؟..

الجميع يدركون أن كسر العصي بوجوه الجميع مجرد حالة طارئة لكسب دور محلي ودولي، وليس ما يجري حادث خطر كأزمة الصواريخ بكوبا، أو حرب الكوريتين، خاصة وأن بريطانيا تعد ثعلب السياسة العالمية بما تملكه من خبرات متراكمة وأرشيف لا تملكه معظم دول العالم، وبذلك لا نظن أحداً سيكون كاسباً طالماً الحادثة تصنف على العادية، لأن نزاعات الدول الكبرى لا تجرها للمخاطر لمعرفتهم بحجم قوة أي منهم وكيف توضع نظرية «خطوة للأمام، وخطوتين للوراء» مناورة من يدرك معظم الحسابات.

أميركا أكثر دول العالم بالمغامرات العسكرية بنشر حروب صغيرة بعد الحرب العالمية الثانية، لتتبعها بحروب خشنة بعد زوال الاتحاد السوفيتي رغم معارضة الأعضاء المتحالفين معها وعدم انجرارهم لتلك النزوات..

روسيا من طرفها قوة عسكرية عظمى، لكنها لا ترقى باقتصادها لدول مثل ألمانيا أو اليابان، فما بالك بأميركا والصين، ومعاملاتها مع الغرب كبيرة مثل الغاز لأوروبا، والذي لا تستطيع استعماله كسلاح، ليفرض عليها معاملات أكثر حكمة، لتنهي مسألة الجاسوس وتداعياتها دبلوماسياً، ولتظهر للعالم أنها ضد التصعيد، ومع تكافؤ المصالح، لا وضع الألغام في كل الطرقات المؤدية للمنافع لكل الأطراف..

بقلم: يوسف الكويليت - الرياض