تويتر هياج المدرجات

يتداول الناس هذه الأيام فيديو يغطي حادثاً مرورياً مروعاً جرى في المدينة المنورة. تابعت ردود الأفعال على هذه الحادثة من أكثر من زاوية. حرصت أن أبقى بعيداً عن الانخراط العاطفي رغم بشاعة المشاهد. نظرت للقضية بعين كاتب في جريدة محترمة وعريقة أمام حادث كبير هز الرأي العام. قرأت أكبر قدر من التعليقات ووجهات النظر. معظم من شارك بالرأي في القضية دان مصور الفيديو وبعضهم أكد أنه وافد. لا أعلم من الذي سيكون عليه موقف هذا البعض لو كان مصور المقطع سعودياً ولا أعرف ما الذي سيتغير من الأمر. هذا التناول الشعبي التعبوي

سيساعدنا على فهم الفرق بين الصحافة كـ «الرياض» وبين السوشل ميديا كتويتر عند

مقاربة الأحداث الخطيرة. في أكثر من مقارنة بين الشوسل ميديا والصحف يؤكد أصحاب المقارنة على حداثة الأولى وتقليدية الثانية. تأتي معظم الفروقات والتمايز بين الوسيلتين بالوعاء

(ورقي، إلكتروني) والمرونة والحرية. رشح كثير من المهتمين انتصار السوشل ميديا على الصحافة التقليدية في نهاية الأمر والإطاحة بها.

هذه الحادثة وكثير مثلها تؤكد (لي) أن المقارنة أو المنافسة بين الوسيلتين غير منطقية وسوف تختفي قريباً. أرومتان مختلفتان تماماً. ثمة سابقة تشابه شبيهة بالتشابه بين هاتين الوسيلتين حدثت بعد انطلاق السينما في حياة الناس حيث وضعها المراقبون بإزاء المسرح. جاءت السينما في بديتها مليئة بالوعود والآمال.

لم يكن الناس يملكون مادة يتخيلون بها مستقبل السينما إلا بمقارنتها بالمسرح. عندما استقرت صالات السينما أصبحت شيئاً آخر لا علاقها لها بالمسرح ولم تأت للإطاحة به. لكن هذا لا يعفينا من السؤال: ما الذي يمكن أن يحدث لو أن الصحف العريقة كـ «الرياض» والجزيرة اختفت واختفى معها المحترفون العاملون فيها وأصبحت السوشل ميديا موئل الرأي والإعلام.

السوشل ميديا أقرب إلى هياج الجماهير والتعبير العاطفي. تستطيع أن ترى هذا

بشكل جلي في التعليقات على القضايا الرياضية الساخنة. تحتاج كمتابع إلى حصافة وتركيز كبيرين لتتبين مجريات الحدث المطروح، بالكاد تنأى بنفسك عن الانزلاق في التحيز أو العنصرية وأي مشاعر جماهيرية خطرة.

هذه الآراء الهائجة والمتغيرة بسرعة كما يحدث في مدرجات الكورة تحتاج إلى رأي يعيد بناءها بصورتها الأخلاقية والعقلانية والمسؤولة. أمام كل حادثة كبيرة ثمة قرارات سوف تتخذ وسينخرط فيها مسؤولون كبار في البلاد. هذه القرارات وهؤلاء المسؤولون لا يمكن أن يبنوا قراراتهم ووجهات نظرهم على هياج جماهيري أو عواطف مختلطة. كل ما فعلته السوشل ميديا أن ضخمت مفهوم المدرجات ونقلته إلى البيوت والجيوب والخفاء مما شجعت أنصاف العقلاء على إخراج ما في ظلامات عقولهم من سفه طال احتباسه.

بقلم: عبدالله بن بخيت - الرياض