قضايا الرأي العام والشبكات الاجتماعية

لم تكن مقدمات ومآلات ما يسمى بالربيع العربي إلا ثمرة مرّة واحدة نمت تلقائياً بين ثمار عصر الاتصال والشبكات الاجتماعية. نحن نتحدث اليوم عن الأثر ولم نبحث بعد جذور "سببية" التأثير والمآلات. ولعل من أسباب ذلك هو القصور العلمي في جواب سؤال أقدم وهو إلى أي مدى أحدثت ثورة وسائل ووسائط الاتصال الإلكتروني ما يشبه الانقلاب التاريخي في العلاقة بين المرسل والمستقبل بل وفي نظرية الاتصال برمّتها.

نعم كان لطوفان التقنية الاتصالية وثورة الابتكارات المتسارعة ومعها الإقبال الجماهيري دوره الأهم في أن لم تستطع مؤسسات البحث اللحاق بقطار الاتصال الإلكتروني فائق السرعة فمضى زمن ذهبي فقدنا فيه القدرة على تأصيل أركان هذه المتغيرات بل لقد وجدنا المدرسة الإعلامية العربية وقد ركنت إلى المراقبة والرصد وتوصيف المتغير السريع من التقنية بالبطيء النمطي من التفكير.

حتى اليوم لم نجد من قدم (مشروع) دراسات تحليلية معمّقة تستقرئ وتحلّل كيفية نشوء وتطور هذه العلاقة التبادلية بين الجهاز وصاحبه؟ وكيف يمكن أن يحدث الضجيج الكبير إثر نشر (فرد) لصورة أو مقطع فيديو قصير وأحياناً تغريدة لا تتجاوز حروفها 280حرفاً. ونركّز على الرسالة (المحتوى) لأنها محور الاتصال في بيئة التقنية التي كسرت بدورها احتكار المؤسسات للوسائل. أمّا الجماهير فلم تعد تراجع "المراجع" فهي منشغلة كليّاً تحدّث بعضها وتشكّل كينونتها بانفعالية سريعة في غياب تام للمؤسسات التي تزن إيقاع الحركة الاجتماعية وتضبط الوعي وترشد الانفعال.

من هنا يمكن القول: إن على أي باحث إعلامي قبل الخوض في توصيف القضايا الجماهيرية المحركة للرأي العام إلكترونياً أن يميّز بين ثلاث مراحل مهمة تتجه إليها مسارات القضايا التي تظهر وتنتشر وتؤثر (سلباً وإيجاباً) في "مزاج" الرأي العام عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وتتضمن هذه المراحل (الأطوار) الثلاثة: البعد الشخصي (لصاحب الرسالة)، البعد السلطوي (رد فعل المؤسسات)، ثم البعد الجماهيري وسؤال كيف وصلت الرسالة ولماذا قبلت أو رفضت بهذه الضجيج؟

ويمكن هنا للباحث في مضمون الرسالة (المحتوى) التقاط ورصد مرتكزات ومعايير /منتقديها/متبنيها (الشخص/المجموعة/التيار) وأساليب تحشيد المتعاطفين والمؤيدين والرافضين لمضمونها في غياب (تبني/تجاهل) قادة الرأي. ومن المتابعة يمكن القول: إن غياب "القادة" في هذه المرحلة الأولى سببه أن النخب والقيادات الاجتماعية في الغالب تبقى في موقف المراقب والمتربص لمدى قوة وحجية القضية ضمن حسابات الربح والخسارة. ولهذا نجد في كثير من القضايا ذات البعد الجماهيري أن الرموز وقادة الرأي ينتهون من حساباتهم في هذه القضية إمّا بقرار تجاهلها فتضمحل وتموت. وفي أحيان يدفعون بها تصعيداً إلى بعدها الأكبر كقضية رأي عام لنجدها في يوم مولدها موضوعاً رئيساً في الحسابات الشخصية ذات المتابعة العالية ثم تأخذ بعد ذلك طريقها عبر الأعمدة الصحفية والبرامج الإعلامية وأحياناً من خلال المنابر أو المحاضرات العامة لتصبح القضية في بعدها العاطفي أكبر من صوت العقل والحكمة وأحياناً من الحقيقة.

قال ومضى: قل الحقيقة مَرّة قبل أن تتجرّعها مُرّة.

بقلم: د. فايز الشهري - الرياض