أحياناً.. التاريخ يكتبه الأعداء!.

مستشرقون ومسلمون، وعرب يكرهون أبناء عمومتهم، غالباً ما يتناولون التاريخ العربي باستهجان عندما ينسبون العلماء والفقهاء والفنانين والشعراء وغيرهم بأنهم من أروم أجنبية لا عربية، بينما علماء «الأنثروبولوجيا» واللغات والأجناس، يعتبرون الحضارة لغة، وليست جنساً، والدليل أن أمريكا قائدة العالم الحديث معنية بعبقرية الشخص، لا مكان ولادته..

لنأخذ من الواقع المشاهد اليوم كيف يتم انتساب شخصيات مرموقة عربية وغير عربية إلى بلدانها الجديدة (رشيدة داتي) مغربية الأصل فرنسية وصلت إلى منصب وزيرة العدل لحكومة باريس، (صادق خان) عمدة لندن الحالي مسلم هندي بجنسية بريطانية، (حليمة بنت يعقوب) حاكمة سنغافورة من أصول هندية من ناحية أبيها، وميلاوية من ناحية أمها، والعديد ممن وصلوا إلى رأس حكومات ووزراء في بلدان عالمية مختلفة، لم نجد من يرى هؤلاء دخلاء على تاريخ بلدانهم الجديدة، حتى الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) جاء بعد نضال من السود فترة الفصل العنصري، ليكون على هرم سلطة أقوى دولة في العالم..

ما يعد نواقص في حضارة العرب بانتماء بارزين لشعوب أخرى، يعد بالمفهوم التحليلي للحضارات ميزة كبيرة في تعددية هذا المحتوى الذي صهر أبناء تلك الشعوب ليكونوا جزءاً من النسيج الاجتماعي دون حذف أو انتقاص لأصولهم ليأخذوا مواقعهم المتقدمة عند الحاكم العربي أو محيطه الاجتماعي، فكل الحضارات أضافت بعداً إنسانياً وثقافياً، والأخيرة تعد الإناء الأساسي للأخلاقية الإسلامية ودورها في المعمار البشري، وانتشار هذه الثقافة بالعالم الإسلامي كله..

لم يكن العرب بلا أصول حضارية قديمة، فالجزيرة العربية ملتقى طرق التجارة الآسيوية والأفريقية والأغريقية والرومانية، ولا تزال الحفريات في بداياتها عندنا بينما المسوحات توحي بأن كنوزاً هائلة على أرضها ربما تغير مسار التاريخ، وخاصة المستوطنات البشرية الأولى التي خرجت من أفريقيا لتعبر إلى هذه الأرض وتنتشر على خرائط العالم..

لقد تعرضت حضارات مصرية، وهندية، وصينية ولاتينية وغيرها، إلى ما يشبه المحو أو التشكيك بأصولها ومنجزاتها، فالعرب جزء ممن استهدفوا، ليس بالتجاهل فقط، وإنما التزييف المطلق لكل منجز قاموا به..

هناك مؤرخون كبار في الغرب، انصفوا حضارة العرب وعدّوها منجزاً بشرياً هائلاً أمثال (ديورانت) في موسوعة «قصة الحضارة»، أو (توينبي) في كتابه «مختصر دراسة التاريخ» أو «شمس العرب تسطع على الغرب» للألمانية (سيغريد هونكه) وغيرهم، وهي جزء من شهادات لعظمة تاريخنا الذي نحتاج إلى تدوينه بلغة علوم اليوم نقداً وتحليلاً وكتابة..

بقلم: يوسف الكويليت - الرياض