مكتبة القرون القادمة

حاولت حضارات كثيرة انشاء مكتبات ضخمة لحفظ العلم والمعرفة .. في بغداد مثلا ظهرت دار الحكمة، وفي مصر مكتبة الأسكندرية، وفي الصين مكتبة نانكين، وفي العراق مكتبة أشوربنيبال ، وفي الإمبراطورية الرومانية مكتبة برغامس، وفي اليونان القديمة مكتبات أثـيـنا وجزر المتوسط، وفي تونس مكتبة قرطاجة التي دمرها الرومان بعد هزيمة هانيبعل قبل 146 من الميلاد...

وهذه المكتبات لم تعد موجودة اليوم إما لأنها أحرقت (مثل مكتبة الأسكندرية ويانكين) أو تعرضت لكوارث طبيعية (مثل برغامس وبنيبال) أو دمرت عمدا (مثل مكتبة قرطاجة ودار الحكمة التي رمى المغول محتوياتها في دجلة) أو ضاعت بكل بساطة (مثل مكتبات الفراعنة والأغريق ومعلقات الكعبة)...

... وفي كل مرة كانت البشرية تخسر معارف قديمة وثمينة لا نعرف عنها شيئا.. في كل مرة يتكفل الزمن بتدمير المعرفة بسبب تصرف تاريخي همجي، أو كوارث يصبح وقوعها حتميا خلال القرون التالية.. تخيل كيف سيكون حالنا اليوم لو استمر تراكم المعرفة منذ عهد الفراعنة والآشوريين والأغريق دون انتكاسات فكرية أو مفقودات علمية.. كنا اليوم نتجول بين النجوم، ونستنسخ الديناصورات، ونعيش لألف عام (بفضل اكتشاف جينات الشيخوخة، واستنساخ الأعضاء الهرمة)!!

... وحوادث الفقـد المتكررة للمعارف القديمة يقودنا للتساؤل عن مصير معارفنا الحديثة بعد ألف أو عشرة آلاف عام من الآن؟

هل سينتكس البشر ويعودون لعصر بدائي جديد؟

هل ستدمر معارفنا الحالية كما دمرت معظم المعارف القديمة؟

هل ستختفي الجامعات والمختبرات ومكتبات اليوم، كما اختفت مكتبة الاسكندرية ودار الحكمة وأوراق البردي الفرعونية؟

هل يخبرنا كل هذا بضرورة إنشاء مكتبة تعيش لعشرة آلاف عام لا يمكن حرقها ولا تدميرها ولا حتى نسيانها عبر القرون؟

... قبل كتابة هذا المقال خطر ببالي أن شبكة الانترنت تحولت بدون قصد إلى مكتبة زمنية (من هذا النوع) يمكنها البقاء لعشرة آلاف عام .. مكتبة تعيش وتزدهر في عالم افتراضي لا يملكه أحد ولا يتحكم به أحد ؛ ولكن يشارك فـي حفظه والإضافة إليه (كل أحد) !!

غير أن الاعتماد على الانترنت فقط (كمكتبة مستقبلية لحفظ العلوم) يتضمن مجازفات كثيرة أبرزها انقطاع الكهرباء ووفاة الأرشيف الرقمي ...

و(انقطاع الكهرباء) تعبير مجازي أعني به احتمال اندلاع حرب عالمية شاملة، أو خسائر اقتصادية تطال الشركات المشغلة، أو فيروسات خبيثة تمحو الخادمات الإلكترونية، أو وصول الانترنت لمستوى من التشبع يتسبب في تجميدها أو تمردها أو اتلاف محتوياتها...

وحتى في حال سلامة الانترنت من كل هذه المخاطر (وبقائها حية طوال العشرة آلاف عاما القادمة) يظل أرشيفها عرضة للوفاة الرقمية ..

والمقصود بوفاة الأرشيف الرقمي هو صعوبة استعادة المحفوظات القديمة بسبب اختفاء التقنيات والبرامج المشغلة لها.. أنا مثلا مازلت أملك "أقراصاً مرنة" لا يمكنني اليوم فتحها بسبب اختفاء البرامج المشغلة لها (وهي مشكلة عالمية تعاني منها كافة المؤسسات المخضرمة).. فبرامج الكمبيوتر، وأنظمة التشغيل، ووسائط الحفظ والتنزيل، تتغـير بسرعة كبيرة لدرجة بناء أرشيف رقمي قـديم يستعصي حاليا على التشغيل (ويمكنك معرفة المزيد عن هذه المشكلة بالبحث عنها في جوجل بهذه الكلمات: Digital dark age)...

وكل هذه الاحتمالات تجعلني عاجزا فعلا عن ترشيح أفضل طريقة للاحتفاظ بمعارفنا الحالية للقرون المستقبلية.. هل يكمن الحل مثلا في كتابتها على ألواح نحاسية ثــم دفنها سرا تحت الأرض، أم حفظها في مركبة فضائية تغادر الأرض نهائيا ولا تعود إليها قبل عشرة آلاف عام !؟

... اقتراحاتكم أيها السادة ...

بقلم: فهد عامر الأحمدي - الرياض