لماذا نصدق الأخبار التي تنشر وتنتشر؟

لماذا نصدق الأخبار التي تنشر وتنتشر؟ لماذا نأخذ بها كمسلمات ولا نشكك فيها؟ لماذا تأخذ الأشياء التي تتكرر على مرآى ومسمع منا صفة القداسة فلا نحاول التساؤل عنها؟

هناك نظرية استنتجتها الباحثة الألمانية، البروفيسورة، إليزابيث نيومان، باسم Spiral Of silence أو دوامة الصمت عام 1974 تفسر هذه الحالة التي نعانيها جميعا.

تشير النظرية إلى أن المرء يصدق ما يشاهده ويقرأه. تبدأ الفكرة صغيرة جدا. لكن مع تكرار طرحها تكبر وترسخ وتتجذر وتتعمق في دواخلنا. توصلت نيومان إلى هذه النظرية بعد دراسة عميقة لتفاعل الجمهور مع الأخبار التي تنشرها وسائل الإعلام التقليدية وكيف تتعاطى معها الحشود على أنها حقائق دون أدنى تحقيق أو اختبار أو تساؤل.

الأمر لا يتكرر فقط على ما تنشره وسائل الإعلام التقليدية وإنما امتد إلى ما ينشر في وسائل الإعلام الاجتماعي في وقتنا الراهن. فقد باتت الأخبار التي تتداول فيها تكتسب القدسية ذاتها رغم عدم دقتها أو عدم صحتها. تؤكد دراسة نيومان أن السواد الأعظم يصدقون ما ينشر في الإعلام بلا تفكير أو تحقيق. أما الأقلية التي لديها رأي مخالف فتلتزم السكوت خشية ردة الفعل العنيفة التي قد تواجهها.

فتبتلعها دوامة الصمت التي ابتلعت معظمنا ممن آثر السلامة والابتعاد عن السجالات والنقاشات البيزنطية. جرب يا صديقي أن تسأل صديقا في مجموعة (واتساب) عن مصدر معلومة تشكك في موثوقيتها. سأتخيل الرد. سيقول لك: "بلا فلسفة". أو "توقف عن هذا التفكير المؤامراتي". سيرميك أعضاء المجموعة بالنكت والتهكم أمامك ومن خلفك. وقد يتطرف بعضهم فينشئون مجموعة جديدة دونك ويسمونها: "جروبا لا يوجد فيه الفيلسوف". من يحاول أن يتثبت ويتحقق مع الأسف مصيره الازدراء والعزلة. هناك أشياء كثيرة كنا نعتقد أنها حقيقة مثل أن الثور يثيره اللون الأحمر واكتشفنا لاحقا أن الثور يرى اللون الأحمر رماديا، وما يستفزه حقا المصارع وليس لون قطعة القماش التي يلوح بها سواء كانت حمراء أو صفراء.

كبرنا ونحن نشاهد آباءنا يسخنون محرك السيارة فور تشغيلها لدقائق طويلة حفاظا على ماكينة السيارة وقوتها واكتشفنا لاحقا أن محرك السيارة لا يحتاج إلا لمجرد ثوان قليلة وليس إلى دقائق طويلة. يا أصدقائي، هناك أشياء كثيرة عارية من الصحة حولنا. جديرة بتشكيكنا وتساؤلاتنا واختباراتنا. لا شيء مقدسا سوى كتاب الله.

علينا أن نحارب جميعا كل هذه الأخبار المغلوطة والشائعات من خلال التشكيك الجميل الذي يرفع منسوب الوعي ويخفض حجم هذا التلوث المعلوماتي الذي يكاد يخنقنا.


بقلم: عبدالله المغلوث - الاقتصادية