ثقافة الاحترام

في أعقاب حادثة «شارلي إيبدو»، تصاعد الحديث والجدل في شأن التلاحي بين ثنائية «حرية التعبير» و «الرموز الدينية».

تكمن المشكلة في أن الغرب يستخف بتقديس الرموز الدينية وبمبدأ التقديس عموماً، لكنه يقوم واعياً أو غير واعٍ بتقديس حرية التعبير. من ذلك الإطار نبعت فكرة أن الاحترام المتبادل هو السبيل الوحيد لخلق التوازن بين هاتيك الثنائية المتنازعة، ما دفعني، وبالتنسيق مع عدد من السفراء لدى «اليونسكو» إلى اقتراح مشروع قرار لتقديمه إلى المجلس التنفيذي للمنظمة الدولية بغرض اعتماده، في هذا الشأن.

وقد طالت وامتدت المناقشات حول القرار خلال ثلاث دورات للمجلس على امتداد سنة ونصف السنة، بسبب التحفظ الغربي عليه. لكن القرار مَرّ أخيراً واعتُمد بحمدالله. وقد شُرّفت بإعطائي الكلمة عقب الاعتماد، بوصفي منشئ القرار، فقلت، بعد الشكر والامتنان:

« الزملاء الأعزاء. نحن اليوم نؤسس لمبدأ جديد في اليونسكو عنوانه: ثقافة الاحترام. حضرَتْ وشاعتْ هنا خلال العقود الماضية مبادئ عدة مثل: التسامح، التفاهم، الحوار، السلام. لكن هذه هي المرة الأولى التي نضع فيها الاحترام على طاولة النقاش والاستخدام ضمن أدوات التداول في اختلافاتنا الطبيعية التي تندرج تحت التنوع الثقافي للبشر.

لا يمكننا أن نزعم أن هذا المبدأ الجديد هو الذي سيكون الحل السحري لمشكلاتنا، لكننا لو قارنّاه مثلاً بمبدأ التسامح الذي لم يعد مصطلحاً حَسَن السمعة الآن كما كان منذ وضعه جون لوك في القرن السابع عشر حتى سنوات قليلة ماضية، إذ بات الكثير من المفكرين والأكاديميين يعيبون على التسامح أنه يأتي عادةً في سياق تراتبي بين قوي وضعيف أو منتصر ومهزوم، فيما يتكئ مبدأ الاحترام على أساس التكافؤ بين الطرفين المتحاورين، بل الأطراف، وهذه ميزة إضافية للاحترام أنه ليس بين طرفين فقط بل أطراف عدة في الوقت ذاته.

لفت انتباهي التردد الذي امتد لأكثر من عام من أجل اعتماد القرار، هل يمكن أحداً أن يكون ضد ثقافة الاحترام؟ الجواب بالطبع لا، لكن غياب ثقافة احترام الجميع من دون تمييز بين ثقافة وأخرى أو دولة وأخرى، هو الذي صنع هذا التشكك. هل لو جاءت فكرة القرار من دولة أخرى، وبالذات من جهة معلومة من العالم، هل كان سيواجه هذه الصعوبة؟ إذاً فليكن أول ما نبدأ بتطبيق ثقافة الاحترام فيه أن نؤمن بحقيقة المساواة بين الدول والشعوب والثقافات، وأن نحترم كل وجهات العالم وتوجهاته. من الاحترام أن لا نسيء أو نشتم الآخرين تحت أي ذريعة أو سبب، فحتى لو لم يكن الآخر مستحقاً للاحترام، فإنني سأمتنع عن شتمه احتراماً لنفسي ولقيمي التي نشأت عليها.
هكذا يفعل لقاح الاحترام إذا حُصّن به أطفالنا في البيوت والمدارس، والأهم من ذلك تكريسه في الإعلام (والإعلام الجديد خصوصاً) الذي بات للأسف منفذاً أساسياً لنشر التطرّف و زرع الفتنة بين الشعوب والثقافات من لدن الذين لا يعون مسؤولية الحرية الإعلامية والتزاماتها الأخلاقية.

تحت مظلة هذا القرار نأمل في أن نستمر في تنظيم لقاءات حوارية مفتوحة على غرار الندوة التي أقمناها مسبقاً، تحت العنوان نفسه، ولقيتْ نجاحاً واسعاً. وختاماً، تذكّروا أن الاحترام هو المبدأ الذي يقف دوماً خلف حالات الوئام والسلام القليلة الناجحة في هذا العالم».

بقلم: زياد الدريس - الحياة