زيارة ملكية مهمة

على مدى أربعين عاما من العمل العام في مصر، سياسة وفكرا، ورصدا وكتابة، لم تكن القاهرة على تلك الحالة من التفاؤل والثقة بالمستقبل، التي شاهدتها منذ أصبحت زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز مؤكدة، حتى حدثت بالفعل. هذه المشاعر لم تتأجج فقط كما جرت العادة داخل دوائر الحكم المصرية، وإنما سرت في أوصال الشعب المصري، ومؤسساته المختلفة، ما كان منها مرتبطا بالدولة أو العمل الأهلي. بشكل ما كانت الزيارة «محطة» يقف عندها الجميع، لتأمّل ما كان وما سوف يأتي في زمن اختلطت وارتجت فيه أمور كثيرة. هي لحظة للوضوح وانقشاع غيوم غلبت على منطقتنا، وراحت التطورات التكنولوجية ووسائل التواصل الاجتماعي تنفخ في الشكوك، وتكبر في كل ما يكون وقيعة. باختصار كان الحضور إلى مصر مغالبة، وانتصارا أيضا، في وقت يحتاج فيه الناس والحكام إلى درجة عالية من اليقين.

هناك تهنئة ضرورية لكل من رتبوا للزيارة، رغم أن ما بدا من تأخرها، وحتى تأجيلها لأيام، كان يعطي انطباعا غير محمود، لمن كان قلبهم وعقلهم مع العلاقات المصرية - السعودية. أما من عادوها دوما فقد أحبطت التطورات نفوسهم فراحوا ينفثون سما زعافا. على الجانب السعودي جاءت الزيارة محملة برسالة كبرى، أن مصر لها مكانتها المتميزة في القلب والهوى السعودي، وأنها الشريك الاستراتيجي المهم في المرحلة السعودية المقبلة، كما كانت الحال في السابق، ومعاركه وتحدياته الكثيرة، سيكون المستقبل المقبل. وعلى الجانب المصري، فإن الاستقبال كان فرصة عظمى للتقدير والعرفان، لأن الدول والشعوب العظيمة، تعرف تماما من وقف إلى جوارها بحب وجلال، وشهامة ومروءة، ساعة الاختبار الكبرى. والحقيقة أن جراح مصر لا تزال قائمة، ونزفها لا يزال مستمرا، ولذا فإن إدراك الخروج بعد يونيو (حزيران) 2013 من هوة الإخوان السحيقة، بفضل الله، ثم الشعب والجيش المصري ومساعدة الأشقاء، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية؛ هو من الأمور المقدرة المتشبعة بالامتنان. وعلى الجانبين المصري والسعودي، فإن التصور كان أن الزيارة لا بدّ لها ألا تكون مثل كل الزيارات. الزيارة كانت الأولى لخادم الحرمين الشريفين لدولة في المنطقة، والثانية - بعد الولايات المتحدة - منذ توليه الحكم. وعلى قدر ما أتى من قادة دول إلى القاهرة، فإن أحدا منهم لم يمكث خمسة أيام كاملة. لكن الرسالة كانت ضرورية بأن الزيارة ليست مثل كل الزيارات، وعندما يقال إن الملك زار بلده الثاني، فإن في عرف العائلات لا تكون الزيارات عابرة. كان جدول الزيارة عامرا بأن الحضور الملكي هو للدولة المصرية العريقة كلها، وليس فقط للقاء حكامها، فكانت ثلاثة لقاءات مهمة: جامعة القاهرة، حيث كانت الدكتوراه الفخرية من أعرق الجامعات العربية.. والأزهر الشريف منارة الفقه لأهل السنة.. ومجلس النواب المنتخب حديثا، باعتباره آخر خطوات خريطة الطريق المصرية للانتقال من الثورة إلى الدولة.

الرموز كانت أكثر من مهمة، ولكن المحتوى والمباحثات والمفاوضات لم تكن تقل أهمية. ولمن تابع وسائل الإعلام المصرية والسعودية ومراكز الفكر والتفكير والنخبة السياسية في الرياض والقاهرة، فسوف يجد قائمة طويلة للعلاقات الاستراتيجية والاقتصادية والثقافية بين البلدين. ويعرف كلا البلدين الآن أن اثنين في المائة من المصريين يعيشون في السعودية، وأن 3 في المائة من السعوديين لهم إقامة من نوع أو آخر في مصر. لكن ما كان ملحا فوق كل الروابط هو مستقبل المنطقة، وهو عودة إلى ما أثير في هذا المقام من قبل أن اللقاء المصري السعودي، لا بد له أن يتعرض، ليس فقط لحل المعضلات القائمة، وإنما النظر في مستقبل المنطقة. فقد شكونا مرارا من أنه كيف رسم المستعمر لنا حدودنا، ووضع مسار مستقبلنا، في اتفاق «سايكس بيكو»، الآن فإن في المنطقة من السيولة والسخونة، ما كان فيها أثناء الحرب العالمية الأولى، والفارق أن الأمر هذه المرة بيدنا، وما لم نستطع هذه المرة ونحن دول مستقلة وذات سيادة وحرة، أن نقرر حقيقة خريطة المنطقة، فإن التاريخ سوف يكون قاسيا علينا.

وعلى أي الأحوال، فإن ما يخص المستقبل سوف يظل عملية مستمرة من التشاور والتنسيق بين القاهرة والرياض. وأظن أن المسألة السورية سوف تمثل التحدي الأكبر، لأن في سوريا تلتقي عقد المشرق العربي كله المطل استراتيجيا على المملكة السعودية من الشمال، والجناح الاستراتيجي الشرقي لمصر. هناك تلتقي المطامح والمطامع لدول وحركات - الولايات المتحدة وروسيا، إيران وتركيا، و«داعش» و«حزب الله» - ومعها الماضي والحاضر، وما قبل «الربيع العربي» الذي ما كان ربيعا، وما بعده من مآسٍ. العقدة السورية تحتوي على أبعاد شتى، وأسئلة كثيرة تبحث عن إجابات. في المقدمة منها مصير بشار الأسد وجماعته من «البعث» السوري، وكلاهما يتحمل المسؤولية السياسية والتاريخية عما جرى في سوريا، خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، وفي المقدمة منها قتل مائتي ألف سوري، وأضعاف ذلك من الجرحى، وفوقهم 11 مليونا من النازحين واللاجئين. والظن أنهما يمثلان الدولة المركزية السورية يتجاوز حقائق أنهما لا يسيطران، إلا على أقل من ثلث الأرض السورية، بينما جماعات أخرى من المعارضة وغيرها تقف على أراضٍ أخرى. على الجانب المقابل، فإن سلطة الأسد بقيت بشكل ما، وهي ممثلة في مفاوضات جنيف، حيث تجد التأييد من قِبل إيران وروسيا. وفي الوقت الراهن، فإن هناك مقترحين للتعامل مع المسألة السورية: أولهما ما طرحه بشار الأسد، وهو لا يزيد على عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه في مطلع 2011، مع تغليفها بوعود كاذبة بالطبيعة عن مستقبل يختلف عن الماضي. وثانيهما «الفيدرالية» التي طرحتها روسيا، وتلقفتها الجماعة الكردية، واعترضت عليها بقوة تركيا، لأنها ترى حلا مثل هذا، مع الأوضاع الجارية في العراق تضع بداية دولة كردية ممتدة إلى تركيا. الوضع الأفدح، هو أن ذلك سوف يفتح الباب لكل جماعة لكي تخلق لنفسها دولة مستقلة، فتتفتت المنطقة أكثر مما هي مفتتة، وتتمزق دول أكثر مما هي ممزقة.

التعامل مع هذه المعضلات والإشكاليات الكبرى يحتاج إلى درجة كبيرة من الحزم والمرونة معا. الحزم فيما يتعلق ببقاء الدولة السورية، ومن البديهي أنها لن تبقى على يد من فرطوا فيها بالسياسات الحمقاء، لكنها سوف تعود عندما يكون فيها للشعب السوري بكل طوائفه نصيب. والمرونة التي تأتي من صيغة تفصل إجراءات المرحلة الانتقالية عن الحكم البعثي، وتجعلها تجري تحت إشراف الأمم المتحدة مع وجود بارز للجامعة العربية. أما الفيدرالية فإن التجربة التاريخية تشير إلى أن هناك ما يكون شريرا فيها، حينما تكون طريقا للتفكيك والتفتيت، لكنها كما هي في الهند والولايات المتحدة وألمانيا والبرازيل فهي السبيل إلى دولة موحدة وقوية. كيف تقام إذن الدولة؟!.. هذه هي القضية.

بقلم: د. عبد المنعم سعيد - الشرق الأوسط