لماذا تزداد سويسرا ثراء؟

حافظت سويسرا على حيادها خلال العديد من الأزمات الدولية.. وفي الوقت الذي يكاد فيه الاتحاد الأوروبي يكتمل ويتحول إلى "الولايات المتحدة الأوربية" مازالت سويسرا تتمسك بحياديتها واستقلالها المالي والسياسي.. المؤيدون لنظرية المؤامرة يشيرون إلى أن (بروتوكولات حكماء صهيون) تحدثت فعلاً عن ضرورة خلق دولة أوربية صغيرة تبقى على حياد دائم بعيدة عن الحروب والصراعات بحيث تعمل كخزانة آمنة لثروات من يديرون العالم في الخفاء..

ورغم موقفي المتشكك من نظريات المؤامرة يتفق الواقع مع هذه الفرضية إلى حد كبير؛ فسويسرا كانت ومازالت الواحة الآمنة للثروات الهاربة والأموال الأجنبية المهاجرة. وحين نراجع تاريخ أوربا الحديث نكتشف فوراً كيف قامت فيها عشرات الحروب الطاحنة، واحتل نابليون وهتلر معظم القارة، وأحرقت الحربان العالميتان معظم الدول، في حين لم يعتدِ أحد على سويسرا طوال الخمس مئة عام الماضية (الأمر الذي منحها سمعة البقعة الآمنة التي تتراكم فيها ثروات العالم المنسية)!!

.. وما خلق هذه السمعة هما مبدآ "الحيادية" و"السرية" الذي تبناه السويسريون منذ القرن السادس عشر.. فالاتحاد السويسري ظهر في القرن الثالث عشر ولكن مبدأ الحياد لم يتبلور إلا في القرن السادس عشر (وتحديداً منذ عام 1515 بعد هزيمتهم النكراء من الجيش الفرنسي). ومن يومها وهم يرفضون الميل مع هذا الجانب أو ذاك ولا حتى من خلال التصريح الشفهي أو التعاطف الضمني. وحتى اليوم يعارض معظم السويسريين فكرة الانضمام إلى الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو أي تجمع قد يضر بمبدأ الحياد.. وتحت هذا الغطاء لم توقع سويسرا أي معاهدة لتسليم المجرمين أو تبادل المعلومات الأمنية مع أي دولة في العالم، ولا يغيب عنكم أهمية هذه النقطة بخصوص الطغاة الهاربين للخارج!!

أما عامل الجذب الثاني فهو "السرية المصرفية" الذي يصعب كسره أو اختراقه. فبالإضافة إلى عهد السرية العريق يعاقب القانون السويسري أي بنك أو مسؤول يفشي أو حتى يلمح بأي معلومات مصرفية.. بل إن البنوك هناك تتعامل بنظام مشفر لا يتيح حتى للموظفين معرفة أصحاب الحسابات التي يتعاملون معها كما يتيح للعميل ذاته إيداع ثروته بأسماء مستعارة أو استبدال الأسماء بأرقام سرية لا يعرفها غيره .. وإذا أضفنا لكل هذا سبع مئة عام من الحرفية المصرفية نفهم كيف أصبحت سويسرا وجهة الأثرياء والطغاة واللصوص من كافة أنحاء العالم!!

.. ولو تمعنت جيداً في مبدأي الحياد والسرية ستكتشف أنهما لا يعملان فقط على استقطاب ثروات العالم، بل وحجزها داخل سويسرا إلى الأبد (بحيث تزداد ثراء عاماً بعد عام).. فحين يموت أحد العملاء تمنع (السرية المصرفية) و(الأرقام السرية) و(الحياد السياسي) من عودة الرصيد إلى مصدره الأصلي.. فبعد هزيمة ألمانيا النازية مثلاً بقيت في سويسرا إلى وقتنا الحاضر ثروات منسية لضحايا وقادة ألمان قتلوا أثناء الحرب.. أما هذه الأيام فإن مبدأ الحياد والسرية يعيقان استرجاع ملايين الدولارات التي نهبها الشاة من إيران، وصدام من العراق، وميلوسيفيتش من صربيا، وجان دفاليية من هاييتي، وساني أباشا من نيجيريا، وسيسيسيكو من زائير، وسوهارتو من اندونوسيا، والقذافي من ليبيا.. ناهيك عن قائمة طويلة من زعماء الانقلابات العسكرية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية..

والنتيجة التي نلمسها حالياً أن الثروات المنسية وأموال الأمم المسروقة أصبحت تشكل جزءاً كبيراً من رصيد سويسراً القومي وتزيدها ثراء عاماً بعد عام.. وهلاك طاغية بعد آخر..

بقلم: فهد عامر الأحمدي - الرياض