بورصة الأقوال الخالدة

لا أحد يعرف بالضبط لماذا تعيش بعض المقولات الجميلة (وتبقى حية لقرون) في حين يموت بعضها الآخر بمجرد تفوه صاحبها بها.. لا يمكنني الادعاء أن أكثرها أهمية وحكمة هو ما يبقى ويعيش بدليل استمرار الأمثلة التافهة والمتداولة بين الناس..

والأغرب من ذلك أن معظمها يقال بشكل عفوي ودون تخطيط مسبق فتؤخذ كحكمة تتداولها الأجيال التالية بحماس.. خذ كمثال ماجاء في وفيات الأعيان (على لسان الوزير عمرو بن مسعدة) الذي قال: كنت بين يدي جعفر بن يحيى البرمكي حين رفع إليه غلمانه ورقة يستزيدونه في رواتبهم، فقال: أجب عنها، فكتبت إليهم "قليل دائم خير من كثير منقطع" فضرب بيده على ظهري وقال: أي وزير في جلدك..

هذه المقولة انتشرت بين الناس وعاشت لقرون ومازلنا نظنها حديثاً نبوياً دون أن يقصد ابن مسعدة ذلك.. وفي المقابل قد تؤلف خطب وكتب ومجلدات لا تلفت انتباه أحد رغم ظهورها من علماء وفلاسفة وحكماء مشهورين..

وكنت بالفعل قد كتبت مقالاً بعنوان "أقوال نظنها أحاديث" ضمنته 100 مقولة اشتهرت لدرجة ظنها الناس أحاديث نبوية.. خذ كمثال: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، إذا حضر الماء بطل التيمم، المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء، الجود من الموجود، الحسود لا يسود، يخلق من الشبه أربعين، البطنة تذهب الفطنة.. جميعها قالها أصحابها عرضاً دون قصد الشهرة والانتشار ولكن معظم الناس تداولوها عبر القرون بنفس الزخم والشعبية!!

.. وحين تتأمل مقولات كهذه تستنتج شروطاً عامة (ومواصفات مشتركة) تسببت في شهرتها وعيشها لوقت طويل.. غير أن محاولة تطبيق هذه الشروط عمداً لا يضمن في المقابل نجاح أي مقولة تفكر بالتفوة بها.. فالأمر هنا يشبة بورصة المال حيث تملك الأسهم الجيدة مواصفات جيدة (ينصحك بامتلاكها خبراء الأسهم) ولكن لا أحد منهم يضمن للك فعلاً نجاحها وعدم هبوطها..

ومن الشروط والمواصفات التي قد تضمن (وضع خط تحت قد) نجاح الأقوال وعيشها لوقت طويل: البساطة، والمصداقية، والتوافق، والسجع، والطرافة، والفكرة المجسمة..

فالبساطة تضمن سهولة الفهم ووضوح الفكرة.. ومثال ذلك شعار الإخوان المسلمين المنحلة "الإسلام هو الحل" الذي انتشر بين الناس بفضل بساطته وبلاغته واستطاعت الحركة من خلاله اختطاف مفهوم الإسلام والتدين من بقية الحركات السياسية..

أما "المصداقية" فيمكن تمثيلها بجودة السلعة التي تضمن تسويق نفسها بنفسها.. فأقوال مثل: البطنة تذهب الفطنة، والمعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء.. ليست بليغة فقط بل وصادقة بذاتها ويقتنع الناس بأهميتها فور سماعها..

أما "التوافق" فهو ربط المقولة بمعتقدات الناس وأفكارهم السائدة بحيث يتقبلوها ويتبنونها بلا تردد.. فمن سيرفض أو يجرؤ على معارضة مقولة مثل: صوموا تصحوا، أو إذا حضر الماء بطل التيمم..

أما "السجع" فيمنح المقولة لحناً جميلاً يصعب تجاهله حتى حين تكون ساذجة وركيكة مثل: الحسود لا يسود، تعشى وتمشى، والجود من الموجود..

أيضاً يعشق الناس الأقوال الطريفة والمضحكة والتي نلاحظها على وجة الخصوص في الأمثال العامية مثل: علمناهم الشحاته سبقونا على الأبواب، وإذا أنت أمير وأنا أمير، مين يعشي الحمير!!

كما يسهل على الناس تبني الفكرة "المجسمة" التي تمنحنا صوراً واضحة وواقعاً مفهوماً فور سماعها مثل: عين الحسود فيها عود، ونايم في العسل، وعصفور في اليد ولا عشرة على الشجرة..

.. ولكن، مرة أخرى؛ رغم أهمية هذه الشروط والمواصفات لا يضمن أحد دخولها "بورصة الأقوال الخالدة".. تماماً كما لا يضمن أحد شعبية ونجاح الأسهم الجيدة في بورصة المال..

.. ولا تنسى بالمناسبة البحث عن مقال: "أقوال نظنها أحاديث"

بقلم: فهد عامر الأحمدي - الرياض