الفرق بين الأغنياء والمساكين


كما أن طريقة التفكير صنعت الفرق بين الشرق والغرب؛ "طريقة التفكير" هي أيضاً التي تصنع الفرق بين الأغنياء وعامة الناس.. فالحالة الذهنية للإنسان تضعه في المكان الذي يضع فيه نفسه ويتصور فيها مستوى دخله.. فحين هاجر عبدالرحمن بن عوف من مكة ترك فيها كل ماله ولم يقبل إحساناً ممن هاجر معه.. وحين وصل إلى المدينة لم يقبل مشاركة سعد بن الربيع (أخيه الأنصاري) في ماله بل قال له "بَارك الله لك في أهلك ومالك ولكن دلني على السوق" فأصبح خلال فترة قصيرة من أغنى تجار المدينة (حتى قيل إن أهل المدينة جميعاً أصبحوا شركاء في ماله)!!

.. هذه القصة تؤكد وجود فوارق ذهنية بين الأغنياء وعامة الناس واختلاف نظرة كل طرف لنفسه.. والأغنياء الذين أعنيهم في هذا المقال هم العصاميون الذين صعدوا من الصفر ولم يولدوا وفي أفواههم ملعقة من ذهب في حين سأتحاشى كلمة "الفقراء" واستبدلها بالمساكين كونهم أفضل حالاً وقدرة على شراء سفينة تعمل في البحر...

- فالأثرياء مثلاً قرروا منذ البداية بناء أعمالهم الخاصة (كما فعل ابن عوف) في حين ينتظر المساكين من الآخرين إحساناً ووظيفة وراتباً ثابتاً..

- والأغنياء آمنوا منذ البداية بفكرة تنويع مصادر الدخل، ولم يتصورا اقتصار دخلهم المادي على راتب وحيد أو علاوة ثابته أو معاشات تقاعد متواضعة..

- والغني (لغوياً) هو من استغني عن غيره ولم يخجل من أخذ فأس ليحتطب.. وفي المقابل يخجل المسكين من أخذ الفأس ولكنه لا يتردد من أخذ "شرهة" أو طلب علاوة متواضعة!!

- وفي حين يضع الأغنياء تصوراً واضحاً لما سيكونون عليه بعد عشرة وعشرين عاماً، يكتفي الموظفون بتصور حالهم بعد عشرة وعشرين يوماً من استلام الراتب..

- والأغنياء يستخدمون المال لجلب المال ويدخرون ما بوسعهم لاستثماره، في حين ينفق المساكين كافة مداخيلهم لشراء السلع ولا ينجحون في ادخار شيء..

- والأغنياء يملكون هدفاً واضحاً يصرون على تنفيذه مهما بدا متواضعاً أو بسيطاً (كفتح بقالة أو بنشر) في حين يملك المساكين أفكاراً كبيرة وأحلاماً كثيرة (يستحيل تنفيذها منذ البداية)..

- ويستمر الأغنياء بتطوير الفكرة صغيرة حتى تصبح كبيرة (فالبقالة تتحول إلى سوبرماركت، والبنشر لمصنع إطارات) في حين يستمر المساكين في الحديث عن المشروعات الكبيرة حتى سن الشيخوخة..

- والأغنياء لا يترددون في اقتحام الفرص (رغم علمهم بوجود العقبات) في حين يفكر المساكين بالعقبات (قبل الفرص) فيهربون أو يتراجعون عن فعل شيء!!

- والأغنياء يتعرفون منذ البداية على أثرياء مثلهم فيتعلمون منهم (أو على الأقل يتخذونهم قدوة) في حين يلتصق المساكين بمساكين مثلهم لا يملكون رغبة ولا حافزاً.. (هل قلت للتو حافزاً!؟)

- والأغنياء يعملون على أساس الصفقات والنتائج الكبيرة، في حين يعمل المساكين بحسب الأجر والوقت الذي يقضونه في العمل (ورب صفقة خير من ألف راتب)!

- والأغنياء يتعلمون من أخطائهم ويوظفونها بسرعة لصالحهم؛ في حين يعتقد المساكين أنهم يعرفون مقدما كل شيء.. فلا يتعرفون على أي شيء..

- وبعكس المساكين؛ الأغنياء خبراء في مجالهم ولا يحتاجون لرأس المال بقدر ما نتصور (فعبدالرحمن بن عوف قدم إلى المدينة بلا مال ولكنه كان في الأصل تاجراً يضارب في أسواق مكة)!!

- والأغنياء (والناجحون عموماً) تشغلهم الأفكار العظيمة، في حين ينشغل المساكين بأخبار الناس وأحدث المقتنيات وتفاصيل الحياة الصغيرة..

- وأخيراً؛ الأغنياء لا يحتاجون لنصائح تنظيرية كهذه كونهم يعرفونها بالفطرة ويطبقونها على أرض الواقع.. ويتركون لي ولك فقط الاستمتاع بقراءتها!!

بقلم: فهد عامر الأحمدي - الرياض