الفائزون بجائزة السعادة لهذا العام

شارف عام 2015 على نهايته ومضت خمسة عشر عاما منذ كتبت لأول مرة عن أسعد شعوب العالم.. كان ذلك في ديسمبر 2001 حين كتبت مقالا عن تجربتي في الدنمرك تحت عنوان "أسعد شعوب الأرض" سبقت به أول تقرير صدر عن أحوال السعادة في العالم بثلاثة عشر عاما..

واليوم تراجعت الدنمرك إلى المركز الثالث في حين تقدمت سويسرا إلى المركز الأول وأيسلندا إلى المركز الثاني في حين أتت الإمارات العربية في المركز العشرين كأول دولة عربية في قائمة 2015..

وقبل أن نتعرف على بقية الدول لنتذكر سويا أن السعادة ليست فعلا إراديا بل محصلة نهائية لعناصر إيجابية يجب توفرها أولا.. فالصحة والمال والأمان والحرية الشخصية والخدمات الحكومية الراقية من أسباب سعادة الانسان في أي مكان تتوفر فيه.. وفي المقابل يتسبب الفقر والأوبئة وغياب الخدمات المدنية بالبؤس والشقاء والحزن بل وبالأمراض والإعاقة وفرصة العيش لسن متقدمة..

حين تتأمل أحوال السعداء حول العالم تكتشف أنهم يعيشون أصلا في دول تكاملت فيها العناصر الايجابية السابقة.. تكتشف أن الدول الاسكندنافية مثلا (النرويج والدنمرك والسويد وأيسلندا وفنلندا) تتفوق أصلا من حيث دخل الفرد، ومتوسط العمر، وانعدام الفساد، وحرية المعتقد، والاستقرار السياسي، ورقي الخدمات الحكومية، واختفاء الصراعات الفكرية والأيدلوجية (وبناء عليه تصبح التعاسة وليس السعادة هي المستغربة في مجتمعات كهذه)..

والحقيقة هي أن "قائمة السعادة العالمية" اعتمدت بشكل مجرد على توفر هذه العوامل في 158 دولة حول العالم (ويمكنك رؤيتها كاملة في هذا الموقع http://worldhappiness.report/).. وهي عوامل جعلت سويسرا وأيسلندا والدنمرك والنرويج وكندا وفنلندا وهولندا تحتل المراكز الأولى، في حين أتت توجو وبوروندي وسورية وبينين وأفغانستان في مؤخرة القائمة (كونها تعاني أصلا من الفقر والكبت والصراعات المسلحة وانخفاض متوسط العمر والتمييز ضد المرأة)..

ورغم قناعتي (وقناعتك) بأن السعادة محصلة نهائية لكافة العوامل الإيجابية السابقة، يبقى الأهم هو شعور الانسان الداخلي في مسألة السعادة (فقد تكون ثريا ومعافى؛ ومع ذلك غير سعيد).. لهذا السبب مازلت أفضل النهج الذي اتخذه الدكتور مايكل هاجرتي (الذي نظم أول دراسة معروفة في هذا المجال قبل خمسة عشر عاما)، كونه حاول تقييم سعادة الشعوب من خلال معيارين مختلفين.. الأول؛ سؤال المواطن نفسه بكل بساطة: هل أنت سعيد؟

والثاني البحث عن العناصر المؤثرة في خلق السعادة كالصحة الجيدة، والدخل المرتفع، والحرية الفردية، وعدم وجود صراعات مذهبية أو فوارق طبقية كبيرة..

والمدهش أن الدنمركيين حققوا (في ذلك الوقت) المركز الأول في كلا المعيارين حيث أجاب معظمهم بأنهم سعداء، في حين تفوق المجتمع الدنمركي على عشرين دولة أوروبية أخرى في توفير العناصر الإيجابية السابقة..

- أتعرفون أين تكمن المفارقة؟!

.. في أن المجتمعات السعيدة في قائمة 2015 لم تسعَ يوما لهذه النتيجة ولم تدعيها لنفسها..

وفي المقابل هناك دول عربية (ربيعية أو أيدلوجية) وعدت مواطنيها بحياة أجمل ومستقبل أفضل ولكنها انحدرت فعليا إلى مؤخرة العالم في كل شيء..

ومفارقة كهذه ثبت أن ما يبني المجتمعات المتقدمة ليس الشعارات السياسية أو الخطب التنظيرية بل الرعاية الاجتماعية والحقوق المدنية، والحفاظ على كرامة الانسان.. حينها فقط تصبح السعادة محصلة تلقائية، والتفوق نتيجة طبيعية.


بقلم: فهد عامر الأحمدي - الرياض