ألف امرأة في انتخابات سعودية

أمر يدعو للفخر أن نرى جيشًا من النساء السعوديات يخضن أول انتخابات لهن من نوعها. 979 امرأة، رقم كبير وخطوة بعيدة إلى الأمام، في بلد يعدّ في تصنيف المنظمات الدولية من الأكثر إقصاء للنساء في العالم.. فقد كانت السعودية في ذيل قائمة المنتدى الاقتصادي العالمي في الحقوق للمرأة، رغم أن النساء يشكلن عشرين في المائة من القوة المحلية العاملة، كما أن المملكة سجلت صفرًا في التمكين السياسي للمرأة عام 2008 وفق تقرير فروقات «الجندر» الدولي.

اليوم حققت المرأة السعودية تقدمًا مهمًا في عدد من المجالات؛ فهي تجلس في ثلاثين مقعدًا بمجلس الشورى، أي عشرين في المائة من إجمالي الأعضاء خصصتها الحكومة لها. واستطاعت بوجودها فيه إحداث حراك إيجابي في الأفكار والنقاش والتصويت. وفي المجلس الآن تتم مراجعة الأنظمة التي تعدّ معوقة لعملها أو حقوقها.

أما بالنسبة لحدث الساعة، الانتخابات البلدية، فإنها لا تشارك بالتصويت فقط، بل تخوضها المرأة مرشحةً في مجال العمل البلدي الذي كان دائمًا حكرًا على الرجال. وكما قلت في مقال سابق مهم الامتحان للمرأة أن تقبل وتشارك وليست النتيجة، وحتى لو لم تفز من الألف مرشحة سيدة واحدة في امتحان صناديق الاقتراع، فإن دخولها سيبقى بمثابة إعلان مهم في حياة هذه البلاد، حاضرها ومستقبلها. لا يستطيع أي مجتمع أن يتقدم إلى الأمام وهو يعطل وجود نصف سكانه، بسبب أنظمة حكومية أو تقاليد متوارثة، خصوصًا أن المرأة السعودية بالفعل تجاوزت كثيرًا من التحديات، وبرزت كثيرات منهن في مجالات علمية وتعليمية ووظيفية داخل البلاد وخارجها. أيضًا، لا يستوي الأمر في أن يكون عدد الطالبات في مختلف المراحل التعليمية أكثر من عدد الطلاب الذكور، وفي الوقت نفسه تبقى هي رقمًا هامشيًا في مجتمعها.

وهناك تغيرات في المفاهيم؛ مثلاً هناك كثير من الآباء والأزواج يرون أن توظيف المرأة صار ضرورة لأنها أصبحت تشارك بصفتها معيلة للأسرة، وليس كما في الماضي القريب؛ مجرد فرد وعبء على العائلة. وما نراه من إصرار للمرأة السعودية على العمل، والقبول بوظائف متدنية الرواتب، وتخاطر بحياتها للترحال مسافات بعيدة وعلى طرقات خطرة من أجل العمل كل يوم، هو كفاح حقيقي نادر في أي مجتمع آخر. هذه شهادة على الإصرار والعزيمة ولا يمكن تهميشها، لأن هناك فئة ترفض توظيف المرأة، بل والبعض يرفض مفهوم خروجها من البيت. هذا صراع مجتمعي، وأنا سعيد أن الحكومة اصطفت إلى جانب المرأة وأدخلتها في الانتخابات كرسالة واضحة المعاني.

وبصدق لم أتوقع أن يتقدم مثل هذا العدد الكبير، نحو ألف، من النساء للترشح للانتخابات البلدية في أنحاء السعودية. تقديراتي كانت ألا يتجاوز عددهن الخمسين سيدة، نتيجة لمعوقات اجتماعية تتسبب في امتناع الراغبات عن الترشح، وحتى عن الذهاب للانتخاب والتصويت. أما ما الذي ستفعله المرأة في مجالس البلديات المنتشرة في أنحاء البلاد، فهو يعود لها. المرأة جزء مهم في حيّها، وقد تعرف عن مشكلاته أكثر من الرجل الذي يقضي غالب وقته خارج المنزل والحي. وقد لا تكون المجالس بالجسم الفعّال في داخل البلديات، إنما مع الوقت سنرى تقدمًا في دورها.

اليوم المرأة في المجلس التشريعي للدولة، وهي ستكون في المجلس البلدي للمدينة والمحافظة، وتعطى فرصًا وظيفية في مهن كانت محظورة عليها، وتتم دراسة قوانين تقلل من القيود على أوضاعها الأسرية والإدارية، وهي إلى فترة قريبة كانت مجرد سطر في دفتر هوية الأب أو الزوج، واليوم لها هويتها المستقلة، ومع أنه صارت لها إخفاقات مثل رفض دراسة مشروع حمايتها من التحرش، إلا أنني واثق بأنه سيعود وسيقر بقناعة من غالبية أعضاء مجلس الشورى الذين شاهدوا حجم الاحتجاجات ضد قرارهم الماضي. ولا يمكن فصل تجارب المرأة في المجتمعات الخليجية بعضها عن بعض. ومما يسرّ تقلد امرأة إماراتية، هي السيدة أمل القبيسي، رئاسة المجلس الوطني الاتحادي، وهي خطوة سياسية متقدمة أيضًا، وتعطي كذلك دلالات مهمة.


بقلم: عبد الرحمن الراشد - الشرق الأوسط