مفاوضات ومفاوضات

المنطقة تشهد حفلة من المفاوضات وسلسلة ثرية من جلسات الحوار.

راجت ظاهرة الوسطاء المتبرعين أو الرسميين من الدوليين والإقليميين، الظاهر من ذلك والباطن، حتى إن رئيس البرلمان اللبناني الممدد، وحليف النظام السوري، نبيه بري، سبق أن أكد استعداد لبنان لاستضافة الحوار اليمني «من أجل الخروج من الأزمة».
ربما كان هذا أمرا متوقعا طبيعيا، لأن المفاوضات والوساطات هي جزء من طبيعة الحرب والمواجهات والتعب المصاحب للصدامات العسكرية والسياسية.

نحن نشهد منذ عدة سنوات انفجارا إقليميا، وتفجيرا داخليا للمجتمعات العربية والمسلمة، من ليبيا غربا إلى العراق شرقا، ومن سوريا شمالا إلى اليمن جنوبا.

هذه الانفجارات الحالية، خاصة بعيد ما سمي الربيع العربي، أو بسببه ربما، مسبوقة بحزمة أخرى من الاضطرابات والأزمات الميؤوس منها، مثل حالتي الصومال وأفغانستان، بدرجة ما. كما أن هناك درجات أخرى من التوتر لا تصل إلى مرحلة الانفجار، مثلما يحصل من حين لآخر بين الجزائر والمغرب، بسبب قضية إقليم الصحراء المغربية، وكما هو حاصل في تركيا منذ عقود، بين السلطة المركزية في أنقرة والأكراد الثوار.

في ليبيا تسعى الأمم المتحدة بجهد وضيافة مغربية في الصخيرات لكسر الجمود في الصراع الليبي الداخلي، بين «الإخوان» وأنصارهم، وبقية الأطراف، وفي تضاعيف الأزمة ألوان جهوية وقبلية ومغانم سلطوية ونفطية. والآن جنيف تستضيف أحدث جولات الحوار الوطني الليبي.

هناك حالات شبه مستحيلة من المفاوضات، أو أن الحالة لم تنضج بعد لأطراف الأزمة، من أهل الداخل لا من دول الخارج، للوصول إلى طاولة التفاوض ولغة التساوم. وأبرز نموذج لذلك هو الحالة السورية، وأيضًا الحالة اليمنية، ولذلك يصبح من المتوقع انهيار جولات التفاوض من البداية، كما حصل في مفاوضات جنيف اليمنية والسورية، بكل جولاتها. ثمة من يرى أن التفاوض لا يصلح إلا على شروط الاستسلام، لأي طرف في المعركة، وهناك من يقول لندع الموجوع هو الذي يطلب التفاوض، وحينها لن يكون متصلبا في شروطه.

التفاوض الناجح هو الذي يأتي تتويجا للتقدم العسكري والسياسي على الأرض، وكسر شوكة الخصم، وحينها ربما يكون من الحسن جعل مجرد التفكير في فتح الباب للتفاوض بحاجة لثمن كبير.

الجيش الجمهوري الآيرلندي، ومنظمة الباسك، في كل من بريطانيا وإسبانيا، حاربا السلطات المركزية لعقود، وخاضت معهما لندن ومدريد فصولا من الحرب، ومن التفاوض. في سوريا الصراع كئيب، لكن الأكيد أن نظام بشار الأسد، في حد ذاته، هو جوهر المشكلة وسر الأزمة، ولا بد، بكل وضوح ونقاء، من أن يضمحل ويزول بكل شروره. وبسبب هذا النظام تفشت جماعات الإرهاب والأصولية والتشبيح الطائفي.

مبعوث الأمم المتحدة لسوريا تحدث عن «خطر صراع متعدد الأجيال يقلل، بمرور كل شهر، من إمكانية استعادة سوريا كدولة موحدة».

هناك حقا صراعات أخذت مثل هذه الأوقات الكئيبة، ويجب ألا يحدث ذلك بسوريا، وبوابة ذلك رحيل صانع الشر السوري، نظام بشار.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"