أمة قابلة للانفجار

مضى زمن كانت فيه إسرائيل عدونا الأول.. مضى زمن كان تحرير القدس همنا الأوحد..

مضى زمن كانت فيه وحدة المسلمين هدفنا المشترك.. مضى زمن كنا نتنازل فيه عن مصروف المدرسة للتبرع ب"ريال فلسطين"..

.. اليوم؛ نسينا كل هذا وأصبحنا نقطع رؤوس بعضنا، ونُفجر مساجدنا أيام الجمع وشهر رمضان..

ماذا أصابنا؟ وما الذي غيرنا؟ ومن الذي أوصلنا إلى هذه الحال؟

لماذا أصبحنا نملك هذا الكم الهائل من الحقد والغل ضد جماعات تشترك معنا في أساسيات الدين وأركان الإسلام.. هل الاختلاف بين المذاهب (سواء كبر أم صغر) يجيز تقاتلها تحت دعوى الجهاد - ناهيك عن أساليب المكر والغيلة؟

هل الخلافات بيننا أكبر من خلافاتنا مع إسرائيل ومن لا يشتركون معنا بذات الدين؟ هل يجوز لأي فرد تخمين سرائر الناس أو تقرير من سيدخل الجنة والنار؟

إن كان الإسلام حرم علينا قتل المدنيين الآمنين (من كافة المذاهب والأديان) فكيف بقتل مسلمين صائمين أتوا للصلاة والعبادة وتلاوة القرآن الكريم.. إن كان نبينا الكريم يقول (في المعاهدين والذميين من غير المسلمين) "من قتل معاهدا حرم الله عليه الجنة" و"من آذى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة" و"من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان رائحتها لتوجد من مسيرة أربعين عاما" فأي ثقافة متطرفة تقنع شبابا غرا بتفجير المساجد وقتل المصلين.؟!

رسولنا الكريم غضب من أسامة لأنه قتل رجلا قال لا إله إلا الله في ساحة المعركة.. لم يقبل عذره حتى حين قال "إنَّما قالها متعوِّذًا وما قالها عن إيمان" فرد عليه "أشققت عن قلبه؟ كيف تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة.. اللهم إني أبرأ إليك فيما فعله أسامة"..

حتى هذا الموقف النبوي الجميل يحاول المتشددون سرقته منا اليوم.. يُكفرون من يستشهد بهذه القصة لتحريم قتل أو تكفير من قال لا إله إلا الله.. يدعون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل اليهود وسبى نساءهم وأطفالهم وهم يقولون أيضا لا إله إلا الله (وراجع الإنترنت للاطلاع على تفسيراتهم المتشددة لقصة أسامة)!

.. وبالطبع؛ هناك فرضيات كثيرة تدعي أننا نتعرض لمؤامرة عالمية، أو أن داعش صناعة يهودية، أو أن مايحدث في عالمنا العربي خطة صفوية وصهيونية.. لا يقلقني كل هذا حتى لو كان صحيحا.. ما يقلقني فعلا أننا أمة قابلة للانفجار.. أمة تملك ثقافة متطرفة وبراميل بارود تنتظر شرارة التحريض.. لا يمكن لأي مؤامرة التأثير على أمة كاملة ما لم تكن هذه الأمة تملك أصلا بوادر الانقسام والتفكك!

وصلتني قبل أيام رسالة تقول ان الانجليز في الهند (كلما شعروا ببوادر توحد ضدهم) كانوا يذبحون بقرة ويرمونها بين قرى الهندوس والمسلمين لكي ينشغلوا بالصراع فيما بينهم.. وما يحدث بيننا اليوم أن الانتحاري تطوع للقيام بدور البقرة، ودعاة الفتنة بدور أسوأ من الاستعمار!

.. لا سامح الله من علمنا أن الطريق الى الجنة مفروش بالجثث والأشلاء..

.. لا سامح الله من دعانا للجهاد ضد من لم يظاهروا علينا ولم يخرجونا من ديارنا..

.. لعنة الله على من شغلنا عن فلسطين والقدس وجعل إسرائيل تضحك ملء شدقيها..

.. لعنة الله على من ترك خلافات الدنيا، وجعلنا نتقاتل على مسائل فقهية لم تكن تشغل بال آبائنا وأجدادنا..

- أيها السادة؛ حان الوقت للنهوض من غفوتنا وإزالة الأحقاد من قلوبنا.. حان الوقت لخلق ثقافة تسامح، وإعادة تربية، وتركيز على قواسمنا المشتركة.. فقد مضى زمن كنا نعتبر فيه إسرائيل عدونا الأول، وفاتنا زمن سبقتنا فيه بقية الأمم.

* نقلاً عن صحيفة "الرياض"