الزواج بالقرآن

 فكرة التنسك موجودة في كافة الديانات تقريبا.. الرهبان والنساك يعتزلون الحياة ومتعها ويخصصون وقتهم للصلاة والعبادة والدعاء للمؤمنين الذين يصرفون عليهم..

حتى المجتمعات الغربية - رغم ميولها المادية - ماتزال تملك أديرة خاصة بنساء ورجال يعيشون حياة التقشف ويختارون طواعية عدم الزواج وتكوين أسرة.. تراهم حتى اليوم يسيرون في شوارع فيينا وروما وباريس يلبسون الخيش ويرتدون لباس الزهد والاحتشام..

وفي المقابل؛ لا توجد رهبانية في الإسلام ولم يأمرنا الدين بالرهبنة والتنسك أو ترك الزواج والعمل المنتج.. جاء عن ابن عباس قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "لا صرورة في الإسلام" (والصرورة ترك الزواج)، وقوله: "إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة".. وحين شاهد عمر بن الخطاب شابا لا يفارق المسجد سأله من يصرف عليك؟ قال أخي، قال: أخوك خير منك..!!

غير أن هناك دائما فرق بين ما يقوله الإسلام وما يطبقه المسلمون..

صحيح أنه لا يوجد في الإسلام رهبان ونساك (ولا حتى رجال دين) ولكن جميع البلدان الإسلامية تملك فعليا رجال دين تخصهم برواتب ومناصب ووظائف رسمية.. أما الأسوأ فهو وجود مشعوذين (يلبسون ثياب الدين) تتراوح تخصصاتهم بين تفسير الأحلام وتحضير الأرواح، إلى كشف الستر وفك السحر والدعاء بالأجر..

صحيح أننا لا نملك قساوسة نعترف أمامهم بذنوبنا وخطايانا (كما يفعل المسيحيون) ولكننا نملك في المقابل أولياء معصومين، وأضرحة لرجال صالحين، يخصها البعض بالدعاء والقرابين وقراءة قوله تعالى: "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"..

صحيح أنه لا توجد راهبات في الإسلام - يمتنعن عن الزواج والإنجاب بطيب خاطر - ولكننا نملك نساء يتم حجزهن باسم الخصوصية، وعضلهن لعدم تكافؤ النسب، واضطهادهن بدعوى الستر والفضيلة..

صحيح أننا لا نملك فتيات متبتلات (كما في الكاثوليكية) أو متزوجات من تماثيل الآلهة (كما في الهندوسية) ولكن هناك مجتمعات إسلامية تملك متبتلات احتسابا أو متزوجات بالقرآن قسرا!

.. وأول مرة سمعت عن الزواج بالقرآن كانت من رجل دين باكستاني التقيته في إسلام أباد.. ففي جنوب البلاد تنتشر عادة تزويج الفتاة بالقرآن لأسباب نادرا ما يكون لها علاقة بالإيمان والتقوى.. وفي هذه الحالة تقيم عائلة الفتاة حفل زواج حقيقيا يحضره رجال دين متخصصون في هذا النوع من الزيجات، فتضع الفتاة يديها على المصحف فيعلن (أعظمهم منزله) زواجها به حتى نهاية العمر.. وهذا يعني أنها لا يحق لها الزواج من أي رجل آخر (حتى لو غيرت رأيها لاحقا كون الرجال أنفسهم يعتقدون أن الزواج بفتاة كهذه يعد خروجا عن الملة).. ولكن الحقيقة هي أن الهدف غالبا منع الفتاة من الزواج برجل غريب يستولى على ميراثها أو ينجب منها أبناء يستقطعون أملاك العائلة.. لهذا السبب تنتشر هذه الظاهرة بين الأسر الثرية والارستقراطية في مقاطعة السند على وجه الخصوص.. حيث توجد أكثر من عشرة آلاف فتاة تعاني من هذه المشكلة حسب إحصائيات الحكومة.. وكما أن دعاء الأولياء في الإسلام لا يختلف عن دعاء القديسين في المسيحية، لا يختلف الزواج بالقرآن عن الزواج بكتاب الفيدا المقدس لدى الهندوس..

.. وما نتعلمه (من هذه الجولة العالمية) أن عدالة التشريع لا تعني دائما عدالة التطبيق، وأن جمال النظرية لا يعني دائما جمال الواقع الذي تنشر فيه..

وفي حين طافت بنا الأمثلة السابقة في عالم الرهبنة والتنسك، تنطبق نفس المفارقة على أي عادات وتقاليد كثيرة تمرر تحت غطاء الدين.. ولا تختلف ممارستها بين الديانات المختلفة سوى بمسماها الخارجي.

* نقلاً عن صحيفة "الرياض"