لا تقوم الأوطان على الطائفية

التطرف ظاهرة مرضية خطيرة، واستخدام العنف ضد الآخر المخالف سلوك غير سوي، وينم عن وجود اضطراب نفسي في الجماعات التي تميل إلى التطرف والعنف، وقد لا يحتاج المرء إلى دليل، فالتشخيص تفضحه حوادث التفجير الانتحاري كما حدثت في القطيف، الذي قام به شاب في عمر الزهور، ما زال في مقتبل عمره، ويحلم والداه أن يكون مثالاً للابن الناجح في حياته العملية والأسرية..

لكنه اختار أن يمزق جسده إلى أشلاء بمتفجرات ليقتل أبرياء، معتقدًا أنه بانتحاره هذا سيرضي رب العالمين، وستكون الجنة مثواه الأخير، ولا يمكن تبرير هذه الأفعال بدوافع دينية أو سياسية، ولكن ربما يعود الإقدام عليها بسبب اضطرابات نفسية في عقل المنتحر، لكن مع ذلك لا يمكن إغفال وجود البيئة التي تقود لمثل هذه الأفعال، وأن الفاعل الحقيقي ليس ذلك الشاب المغرر به فقط، ولكن المحرّض على الكراهية والقتل.

الخطاب الديني بين بعض الدعاة غارق في الطائفية، ويكاد يخترق كل مسلمات الوطن ومبادئ المواطنة، ويدعو بعضهم بشكل مباشر إلى عداء الشيعة والإسماعيلية، ومنعهم من أداء شعائرهم الدينية، ويحاول آخرون ربطهم بسياسات إيران، وفي ذلك تخوين مباشر لمواطنين كان لبعضهم دور في مسيرة الوحدة الوطنية، وعندما نتبنى مثل هذا الخطاب العدواني والطائفي البغيض، فإننا نشارك في الوصول إلى أهداف الحكومة الإيرانية، التي تسعى إلى شق الأوطان العربية بالخطاب المذهبي والطائفي، وأجد أنها نجحت بسبب جهل بعض الدعاة.

سيظل التساؤل الأكثر أهمية في زمننا المعاصر عن انتحار الشباب من أجل قضايا خاسرة، ولماذا يفجرون أجسادهم بتلك الصورة المروعة، التي ربما تعود كما أسلفت إلى اضطراب نفسي في العقل، ويسهم أيضًا الخطاب الطائفي المتعالي، الذي يقدم الاجتهاد الديني في صورة قطعية، وأنه الحق المطلق، وأن سواه من الفرق الأخرى روافض وباطنية وكفار ومجوس وملحدون، وأنهم الشر المستطير الذي يجب محاربتهم بشتى الوسائل، وذلك الخطاب في وسعه أن يحول عقل الشاب الصغير إلى قنبلة موقوتة، وإلى أن يفجر نفسه من دون الشعور بالذنب، أو أنه بفعلته تلك يقتل أبرياء.

من كوارث هذا العصر أن تتحول السياسة إلى ساحة صراع طائفي بين الفرق الإسلامية، وأن تظهر البغضاء في أبشع صورها في لغة السياسة، ولا يمكن أن نبرئ صعود ولاية الفقيه الشيعي إلى السلطة في إيران، وعودة الفكر التكفيري المحسوب على السنة إلى الصعود مرة أخرى، من أثم ما يحدث من تسمم في عقول الأجيال الجديدة، وربما تطول الفتنة ما لم تخرج العمائم والشيوخ من الحديث في السياسة، ويحتاج ذلك إلى وعي سياسي شعبي، يدرك بعقلانية أن لاجترار نزاعات الماضي معول هدام لمستقبل الأوطان.

ما حدث في القطيف جريمة موجهة ضد الوطن، والغرض منها إشعال فتنة مذهبية كما هو الحال في العراق وسوريا، ويقف خلفها متآمرون على أمن الوطن، مستغلين شباب مضطربين نفسيًا للقيام بدور المفجر، والمطلوب في الوقت الحاضر تجريم التحريض الطائفي من كل الطوائف، وإخراج اللغة الطائفية من الخطاب الديني، وبالتالي وضع أكثر من خط أحمر ضد المتربصين بالأمن الوطني، والذين يستخدمون الفتنة المذهبية للوصول إلى مقاصدهم غير السوية.

لذلك أدعو أن تُسن القوانين التي تنص على تجريم اللغة الطائفية التحريضية، وأن تطبق على الجميع، ويتم إدراجها ضمن المناهج التعليمية، وأن يتم خفض درجة اللغة الطائفية المتعالية على الآخرين، وأن نعّرف الصراع الدائر في الوقت الراهن أنه صراع سياسي، من أدواته استخدام الطائفية لشق صفوف الأوطان..

ودليل ذلك أن الشيعة العرب في إيران يعانون الأمرين من التهميش وهضم الحقوق، لكن الحكومة الطائفية في إيران تدّعي لأسباب سياسية تأييدها للأقليات العربية الشيعية في الدول المجاورة، وعلينا أن نستوعب ذلك الدرس السياسي، وأن نقدم صورة نموذجية للمواطنة في الدولة المدنية التي تقوم على الحقوق والواجبات بغض النظر عن الخلفية المذهبية أو الطائفية، وذلك.. لأن الأوطان لا تقوم على الطائفية، والله على ما أقول شهيد.

* نقلاً عن صحيفة "الجزيرة"