حواس لم نحسب لها حساباً!

لو سقطت على أنفك ستكتشف نظريتين لم يكتشفهما نيوتن حين سقطت التفاحة على رأسه.. الأولى: أن للجاذبية قوة عظيمة لم تكن تحسب لها حسابا من قبل.. والثانية: أنك تملك القدرة على الشعور بالألم من الداخل.. وليس فقط من على سطح الجلد.!

وحادثة مؤسفة كهذه تؤكد امتلاكنا حواسا أخرى غير "الخمس" التي تعلمناها في المدرسة.. فمن الشائع والمعروف أن للإنسان خمس حواس فقط، هي السمع والبصر والشم والذوق واللمس.. ورغم أن البعض يطلق على الظواهر النفسية الخارقة لقب "الحاسة السادسة" ولكن الحقيقة هي أن الحاسة السادسة تتعلق بقدرتنا على "التوازن" وإحساسنا بحركات الجسم المختلفة؛ ففي الأذن البشرية توجد ثلاث قنوات -أفقية وعامودية وجانبية- مليئة بسائل يوضح للدماغ حركة وموقع الجسم، وبدون هذه الحاسة لا يمكن للإنسان الوقوف منتصبا أو الحفاظ على توازنه لمسافة طويلة.!

وبعد الحاسة السادسة تأتي مجموعة كبيرة من الحواس النفسية الخارقة كالتخاطر والبصيرة والحلم بالمستقبل والإحساس بقرب المخاطر ورؤية الأماكن البعيدة -أثناء النوم أو التنويم المغناطيسي-.. ورغم صعوبة إثبات هذه الحواس إلا أن نسبة تكرارها لدى الناس -لعلك واحد منهم- تجعل من الصعب إنكار ظهورها بنسبة تتجاوز الصدفة.!

أما بعد ذلك فيبدو الوضع مربكا ومثيرا للدهشة والتأمل.. فكلما تعمق العلماء في دراسة الجسم البشري أكثر كلما اكتشفوا المزيد من الحواس الأخرى، فهناك مثلا شعورنا بالألم الداخلي والضغط الجوي ودرجة الحرارة وتقلبات الطقس وقوى الجاذبية... الخ.

أيضا اتضح أن معظم الحواس المعروفة تتضمن حواسا فرعية أو مشتركة تعمل مع غيرها؛ فعملية الإبصار مثلا كان ينظر إليها كحاسة واحدة فقط ثم اتضح أنها مجموعة من أربع حواس فرعية، هي التركيز على الهدف، والرؤية الجانبية، وإدراك المنظر العام، والنظر في الدماغ بمعزل عن الإبصار في العين {وتراهم ينظرون إليك وهم لايبصرون.

أضف لكل هذا نملك مجموعة كبيرة من "الحواس الداخلية" التي تجعلنا على اتصال دائم بما يحدث داخل أجسامنا.. فهناك مثلا الشعور بامتلاء المعدة، وضغط البلازما -المسؤول عن شعورنا بالعطش- وضغط الدم، وحرارتنا الداخلية، وانتفاخ الرئتين، وامتلاء الأمعاء، ونسبة الأوكسجين في الدم..

وكل هذه الحواس تؤكد خطأ معلوماتنا الابتدائية وتجعلنا مخلوقات حية تتفاعل مع محيطها وتدرك مالا تدركه الجمادات من حولها.!

أتعرف ماهو المدهش أكثر؟

أن جميع الحواس لا تتلقى وتستقبل الأحداث من حولها فقط؛ بل وتساعد في صنعها وتشكيلها من خلال استقبالها بشكل مختلف أو متفاوت أو مشوه.. فالشجرة أو الوردة التي تراها أنت تراها النحلة والأفعى بشكل مختلف (وبالتالي لا يعلم أحد فعلا ماهو شكل الشجرة أو الوردة الحقيقي).. أيضا ما تسمعه البومة أو يشمه الكلب أو يرصده الخفاش قد يكون مختلفا في نوعيته أو مبالغا في وجوده.. وقد لا يُعتبر موجوداً أصلاً بالنسبة إليك.. وما يزيد الأمر حيرة وإرباكاً أن الفلاسفة لم يتفقوا بعد بخصوص المسألة التالية:

لو سقطت شجرة في غابة بعيدة بحيث لم يسمعها أحد فهل يصدر لها صوت؟!.

نقلاً عن جريدة " الرياض"