الهاراكيري كلمة لا توجد في قواميس العرب

هل سمعتم بمسؤول أو قائد عربي انتحر بعد الهزيمة أو استقال بعد الفشل!؟ 

.. أنا شخصياً كنت أتمنى حدوث ذلك لطابور لا ينتهي من القادة والمسؤولين العرب.. 

لا داعي لتذكيري بالحكم الشرعي للانتحار، ولكن لا تحاولوا إقناعي بأن صدام حسين والقذافي وبشار الأسد لا يفعلون ذلك لأنه "حرام".. 

بل على العكس تماماً لو انتحر الأول (بعد أن قضت حربه مع إيران على مليوني شاب عراقي) لما غزا الكويت وتسبب في تدمير بلاده - ولو استقال بعدها لما قدم لأمريكا حجة غزوه مرة أخرى! 

لو انتحر القذافي أو استقال (خلينا نقول بعد 30 سنة في الحكم) لما انقسمت ليبيا بين شرق ثائر وغرب مسيطر وسلمت اليوم من ميليشيات العنف المسلحة.. 

لو انتحر بشار الأسد بعد أول مجزرة ارتكبها - أو على الأقل استقال بدعوى تأنيب الضمير - لما مات كل هذا العدد من الأبرياء ولما تحولت سورية إلى حاضنة للطوائف المتشددة.. 

كل هذه الأمثلة - وأكثر منها مما لا يذكر - تثبت أن الانتحار تصرف أخلاقي نبيل حين يتعلق الأمر بالطغاة والمجرمين؛ ولكن العرب للأسف يختلفون عن بقية العالم ويملكون ثقافة مقلوبة في هذه المسألة بالذات.. فهم على استعداد لتفجير أنفسهم حين لا يملكون ما يقدمونه لغيرهم، ويصبحون حريصين على حياتهم بمجرد حيازتهم للدنيا وتسلطهم على رقاب الآخرين!! 

وفي المقابل ينتحر المسؤول في الشرق والغرب إذا فشل في أداء عمله أو تسبب بكارثة لوطنه - أو يبادر إلى تقديم استقالته في المجتمعات الديموقراطية.. 

هذه الظاهرة الشجاعة متجذرة في الثقافة الغربية بدليل انتحار انطونيو في أحضان كليوبترا حين هزم أمام اوكتافيان (وقال مبتسماً أنا روماني عظيم هُزم على يد روماني عظيم). وحين هُزم هتلر في نهاية الحرب العالمية الثانية استأذن عشيقته إيفا براون في قتلها ثم قتل نفسه بعدها.. أما وزير دعايته جوبلز فكان أكثر جبروتاً حين انتحر بعد قتل زوجته وأطفاله الستة.. 

وفي عصر أقرب من ذلك انتحر رئيس البنك القومي في الإكوادور بعد تراجع عملة بلاده، واستقال يلتسين بعد أن تدهورت روسيا في حقبته، في حين أعلن رئيس وزراء إسرائيل يهود باراك عن إجراء انتخابات مبكرة حين أحس بتراجع شعبيته!! 

وظاهرة الانتحار أو الاستقالة نلاحظها أيضاً في الثقافات الشرقية؛ فحين تأكدت هزيمة اليابان انتحر خجلاً 137 مسؤولاً عسكرياً و7000 من الرتب الصغيرة. وفي كوريا وفيتنام يتم إحراق الذات تعبيراً عن الندم أو تحمل المسؤولية.. وفي كل عام يبدأ في شرق آسيا مايعرف باسم "موسم للانتحار" الذي يبدأ مع فشل الطلاب في دخول الجامعات.. واليابانيون بالذات يملكون ثقافة تشجع على الانتحار المشرف بطريقة تدعى الهاراكيري تتطلب الجلوس على الركبتين وغرز سيف طويل في أسفل البطن ثم سحبه إلى أعلى زاوية في القفص الصدري (رغم أن ملحقنا التجاري هناك أخبرني أن الوقوف أمام القطار الرصاصة أصبح الطريقة الأكثر شعبية هذه الأيام)! 

.. وعودة مرة أخرى إلى السؤال الذي بدأنا به المقال: 

هل سمعتم بزعيم أو قائد عربي انتحر بدافع الخجل أو تأنيب الضمير!؟.. هل سمعتم على الأقل بوزير استقال بنفسه قبل أن يُقال "بناء على طلبه"!؟ 

الجواب (لا)؛ بل على العكس تراه يُفبرك لنفسه نصراً مؤزراً بعد كل انتكاسة ويتشبث بالكرسي أكثر لأنه يدرك خطورة تركه بعد المآسي التي تسبب بها.. أما الأكثر إثارة للاشمئزاز - من التمسك بالمنصب - فهو زيادة جرعات الشكر والتمجيد لسيادته رغم انه يعرف (قبل غيره) أنه سبب البلوى وتأخر الحال.. 

لا نريد منهم اللجوء للهاراكيري؛ بل مجرد استقالة تحفظ لهم ماء الوجه، وتحفظ ما تبقى لإصلاحه..



نقلاَ عن "الرياض"